الخميس، 13 أكتوبر 2011

مظاهرة





أسمع صوت التلفاز يخالط صوت أخي المتحمس في شرح قضايا الشارع لؤلئك الجالسين أمامه، أبي يجامل بابتسامة عريضة في مواصلة الإستماع لمثل هذا الحديث والمعاد للمرة....،أما جدي فلا يقصد أن يظهر ملله لكن شخيره بدأ يتعالى،وجدتي تواصل النظر لإبرة الصوف التي في يدها،تقطع أمي كعادتها حماسة أخي  وتشير إلي قائلة:لم لا تكون مثل أختك؟إهتم بشؤنك فحسب...
أخي يصغرني بعاميين ،إلا أني أراه يكبرني بأربعين عاما،أستطيع أن أجزم بذلك عندما أرى عينيه الملأى بالهموم،لا أدري لماذا يطيل السهر ناظراً في تلك الكتب التي لم يقرأها حتى جدي،ياليته يفعل ذلك في دروسه!!أما حماسته في كل شيء فلا أحد منا يتصف بها،ذات مرة دخلت غرفته لأوقضه،شردت كثيراً بما شاهدته..خططاً صباحية وأخرى مسائية،جدول للمظاهرات والنشاطات الطلابية،يومها شاهدت ابتسامتي الساخرة مرتسمة فوق جزء المرآة الذي لم يعلق فوقه ورقة بعد.
مؤخراً لم يعد أخي يتحدث معنا كثيراً،يأكل سريعاً ويغط في نومه مبكراً،ويغادر منذ الفجر تحت ذريعة دروس إضافية، لم يهمني أمره لأني منذ أن كنت صغيرة اعتدت فقط ان أرى نفسي،شكل حذائي،لون حقيبتي،أسناني البيضاء وابتسامتي .
عندما أرى المطر أراه مجرد ماء يبلل شعري فأظطر لتجفيفه،أكره لون الدم مع أني طبيبة،خارج إطار العمل إذا رأيت أحدهم وقد جرح أو أراد مساعدتي أتهرب قدر استطاعتي حتى لا أتسخ،الناس جميعاً في عالمي مجرد شخوص مثل افلام الكارتون القديمة،إشارة المرور ألوالن معلقة،الشقوق المتهدلة من وجه المتسولين تذكرني بشكل القبور،أكره الروتين ومع ذلك لا أغير في يومي شيئاً، وبعد ذلك  أظل المميزة عند أبواي لأني على عكس أخي اكره الإنتماءات السياسية...
أعود من الجامعة ،أفتح الباب ببطء ..يزعجني صوته الممطوط،أتذكر تعليق أخي على صوت ذلك الباب:يشبه أنات السنين،أبتسم بسخرية وانا أذكر ردي على تعليقه ذاك:بل إنه يشبه صوتك.
أدلف بهدوء كعادتي،كل شيء ساكن،ألقي التحية..لا أحد يجيب،أصطدم بالملامح المحتقنة لوالدتي،صوف جدتي ملقى بإهمال على الكنبة،وعصى جدي غير موجودة،وكوب الشاي مازال ساخناُ يبدوا أن والدي لم يشربه بعد،،صوت التلفاز يثرثر كعادته:مظاهرة جديدة في ....،أتساءل في سري :هل دولتنا ضعيفة لهذا الحد بحيث لا تستطيع أن توقف مثل هاؤلاء الغوغاء!!أتجاهل كل ما حولي وأذهب لغرفتي،،أمتد على سريري،دائماً ما ينتابني شعورٌ ما حالما ألقي نفسي فوق الفراش،ذلك الشعور من شأنه أن يزيل كل توتري،لكن اللحظة ما زالت أعصابي مشدودة،اتفرس في الجدار ،الستائر مغلقة منذ الصباح..تغلف  الغرفة بهدوء عجيب  ليراودني النعاس،أتذكر كوب الشاي الساخن ووجه أمي،يا إلهي أنا حتى لم اسألها  إن كانت تحتاج إلى...،أفتح باب غرفتي بملل،صوت أمي الباكي يصطك بأذني،أتسمر عند العتبة ،أجر قدمي إلى حيث الصوت،منذ أن كنت صغير لم أسمع بكاء شخص كبير،أمي التي لم تبك قط حتى أنها علمتني الجمود وكنت أعتقده قوة،أبتسم ببلادة وأنا أركز نظري على التلفاز الذي يبث مباشرة أخباره العاجلة(في اعتداء هو الأول من نوعه قامت الحكومة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين بشكل عشوائي لتفريقهم،كان من بين الضحايا...)تبرز صورتان إحداهما لأخي بصورة شخصية والأخرى لجسد مغطى بالدماء،أخذت احتسي كوب الشاي الذي أصبح بارداً أكثر من أطرافي،أضحك بهستيريا وأنا أتذكر ما همست به لنفسي سراً.
مساءاً. العديد من الوجوه الشاحبة تعزي والديّ،ولأول مرة أرى الناس بهذا الوضوح فقد خرجوا من الإطار المموه لذاكرتي،كل الوجوه رغم شحوبها كانت ملونة عدى صورة أخي فقد اتشحت فقط بالسواد.