مفردات من جسد الثورة /(رواية)إلهام الحدابي
(1)
(واحد من بين ملايين،وجزء من
جموع الغضب،وغصن من شجرة الحرية،وبيت من نشيد الوطن العذب...و..)
أتحدث بخطبتي في هذه الجلسة المغلقة،أتأمل الملامح الملتهبة والعيون
المحتقنة،كل كلمة يقذفها فمي تتلقفها تلك الوجوه ليزيد حماسها،أتساءل في
سري:أهي جودة الخطبة أم أن الموضوع حساس
بالفعل!!
يدلي آخر بدلوه :منذ أن ولدت وعصر الظلم يخنقنا...ياليتني بقيت في بطن
أمي ...أو يا ليتها أجهضتني قبل أن أرضع هذا الذل.
وآخر يعلو صوته: لا تسقني كأس الحياة بعزة ..بل فاسقني بالعز كأس
جهنم.. يعقبه صوت تصفيق وصفير عالي..
يقف الأستاذ قاسم وقد تغيرت ملامحه قليلاً فيقول:لا تنسوا أننا في
جلسة سرية..أرجوا الهدوء،خيم صمت عميق على الجميع،ثم استأنف أحدهم الكلام،وعاد
الحال إلى ما كان عليه.
لا أدري متى انفض الجمع،أدركت ذلك بعد أن عدت من رحلات شرودي ،ولم أعد
إلا على إثر ربت الأستاذ قاسم على كتفي
الأيسر قائلاً:ما الذي يشغل خطيبنا المفوه يزن؟ ما بك يا بني؟وكأني بك في عوالم لا
تمت لواقعنا بأدنى صلة...ابتسم في شرود: لا شيء يا أستاذ...غير أني أفكر في الغد
القريب،وما ستؤول إليه تحركاتنا الصغيرة والعشوائية..
-
لا
تقلق..كل شيء سيبنى في أوانه،وما هذه الجلسات البسيطة إلا وسيلة لبلوغ ذلك،المهم
حدثني هل استطعت أن تنتقي أفراداً من هذه المجموعات لنبدأ معهم العمل؟
-
انتقيت
مجموعة..وأنت اختر أضف لها على حسب خبرتك
وفراستك..أردف بضحكة بسيطة،أسرد أسماء مجموعات العمل الصغيرة التي انتقيتها،فيوافق
عليها الأستاذ قاسم على مضض إذ أنه لا يعرف بشكل كبير أياً من تلك الأسماء التي اخترتها.
عندما أقف..أنظر إلى القاعة وهي شبه خالية أتذكر الملامح
الثائرة،وتختلط الأصوات في أذني لتدور في رأسي أفكارٌ شتى.
(2)
عيناي تلتهمان الطريق،وأنا أرجع قافلاً صوب المنزل،أفكر في خطواتي
الحالية،أتذكر دراستي الجامعية وطموحاتي،صخرة الواقع التي حطمت أقدام من
قبلي،الاجتماعات السرية وعواقبها،أتذكر مقطع ثوري
كنت قد اقتبسته لأحد خطبي في تلك الجلسات ،أغرق في صور كنت أتخيلها وأنا
اقرأ في الثورة الفرنسية،تغزو رأسي ابتسامة غاندي،نظرات مالكوم إكس،صور شتى تختلط
بواقعي فأتساءل هل حقاً يمكن أن نخلق
ثورة من تلك الجلسات المقتضبة؟!!
أدرك أن الثورة صناعة شعب،ولكن إذا كان الشعب يجهل وجوده أصلاً كيف
يصنع ثورة!!والثورة التي سنصنعها قد تموت في مهدها بسبب محيط الجهل والخوف الذي
يغلفنا حد الثمالة،والثورة مجرد
(تاريخ)هكذا تعلمنا في المدارس،وإذا قررنا فجأة أن نبعثها من رفاتها فلا أحد
يعلم هل ستقوم من سباتها !!أم تجرنا إلى
عوالم الفناء.
صحيح أني أتقلد الشجاعة والحماسة أثناء خطبي ،إلا أن خيالي الواسع و
اطلاعاتي الكثيرة يمكن أن تنبئني بحمام
الدم الذي قد يغرقنا،أنا لا أخشى على نفسي ،ولكن كم من الجماجم ستقدم لنبني سلم
ثورتنا،كم من كؤوس الدم ستراق في شوارع المدن حتى يأتي صبح لنصر قد يكون أو لا...
أتذكر بداية القصة....كانت بعض المفردات الحماسية يلقيها على مسامعنا
الأستاذ قاسم في محاضراته الجامعية،ثم بدأت دوريتنا الصحفية،مقالات ناقدة جعلت
أعيننا وأذهاننا تتفتح أكثر لنعي حقيقة ما حولنا،توقفت تلك الدورية بعد أن ناقشتها
إدارة الجامعة،فقررت أنا بحماستي أن أنظم وقفة احتجاجية،حيث أني كنت أدركها بشكل
نظري وحان الوقت لأطبقها في الجانب
النظري،فحثثت من حولي من الشباب الجامعيين ليشاركوا،وبالفعل كانت المشاركة قوية،لم
يطرأ في بالي أن يشارك ذلك الكم الكبير،إذ أن موضوع الدورية لم يكن ذا أهمية
كبيرة...لكن يبدوا أن سخطاً ما قد اكتسح الوجوه..أما ما لم أتوقعه بتاتاً
هو ردة فعل إدارة الجامعة ،إذ أن حرس
الأمن الجامعي ودون سابق إنذار بدأوا باستخدام الهراوات والغازات المسيلة!!واقتدت
أنا ومجموعة من الطلاب إلى مبنى إدارة
الجامعة،والتي تحولت فجأة إلى ثكنة عسكرية،وبعد تحقيق طويل انتهى المشهد ب
إبهام مصبوغ،بعد إقراره بالخطأ ،والتعهد بعدم العودة لإثارة الشغب ،لم تنتهي
الحكاية هنا، ففي أحد مساءات منزلنا الهادئ
كالعادة جاءتني مكالمة من أحد دكاترة الجامعة،بأن أتوجه يوم الغد إلى
الجامعة لسحب ملفي الجامعي،وبعد محاولات و
استجداءات سُمح لي بمواصلة التعليم ،مع حضري من ممارسة أي نشاط،و لم أكن الوحيد
الذي طبق عليه هذا القرار الظالم،بل كنا مجموعة من الطلاب ومن مختلف الأقسام.
وتمر أيامي الجامعية كأنها سجن عقيم،إلا أن ظهر الوجه الحقيقية
للأستاذ قاسم،حيث أنه كلف من قبل الجامعة بمتابعة المشاغبين،وفرض عقوبات متنوعة-
في حال لم يكف أولئك المشاغبين عن مهاتراتهم السياسية-بما فيها الفصل التام من
الجامعة،ذلك اليوم طلب منا الأستاذ قاسم الاجتماع الفوري في منزله بعد الدوام،كان
عددنا إثنا عشر طالباً،وبعد أن أخبرنا بقرار الجامعة،وبانه المسؤول الشخصي عن أي
تصرفات قد تضر بالصالح العام طلب منا التعبير بصراحة عن هذا الموقف،كان موقفه
غريباً بعض الشيء،لذا لم يجرؤ أحدٌ منا أن ينبس ببنت شفة،وبعد أن انتهت جلست
التعليمات انصرف الجميع عداي بأمر منه،بقيت منفرداً أحدق في كوب الشاي البارد وأنا
أنتظر عودة الأستاذ قاسم من الباب،حيث كان يودع الخارجين من منزله،تلك اللحظة كانت
كل الأفكار تدور في رأسي بشكل مزعج،..قد يخبرني ان قرار الفصل القديم قيد
التنفيذ،أو ربما حرماني تماماً من سحب ملفي وبالتالي عدم قدرتي على استئناف
الدراسة في مكان آخر،أوربما ستقوم الجامعة برفع ورقة قانونية ضدي بموجبها يتم
إيداعي السجن..أو ..يقطع حبل تفكيري صوت
قهقهة الأستاذ قاسم وهو يقترب مني:يبدو أنك عشت دورك بشكل حقيقي...هل ستلزم نفسك
بتلك التعاليم الساذجة؟شعرت أن في الأمر لعبة غريبة،لم أعرفهل أضحك لأجاري
الأستاذ!!أم أبكي لأن الموضوع خرج تماماً عن كل توقعاتي!اكتفيت بالتذرع بابتسامة
ساذجة قرأت ذهولها في انعكاسي على صفحة كوب الشاي.
أكمل الأستاذ قاسم:لن أتحدث بشكل ملتوي ...فأنا أقدس مبدأ
الصراحة،أعلم أنك يا بني قد عانيت كثيراً
من القرارات التعسفية الصادرة في حقك من مجلس الغباء الجامعي،ولا أخفيك
سراً أني ما استبقيتك إلا لأفاتحك في موضوع مهم جداً،ولا أريد أن تستعجل في الرد
عليه،بل عليك أن تأخذ وقتك في التفكير ثم تعطيني رأيك،اخترتك يا بني لأني أثق فيك
كثيراً،بل تفاءلت بك منذ أن نظمت تلك الوقفة الاحتجاجية،إذ أني رأيت فيك روحاً
حية،يمكن أن تبعث الحياة في من حولها،حماستك هي العدو اللدود للفساد الذي نعيشه،لذا
لا تستغرب من القرارات اللامسؤولة التي صدرت في حقك شخصياً.
لم يقرأ الأستاذ تعبيرات مشجعة
مني تحثه على مواصلة الحديث،لذا صمت لفترة،ثم أردف:أدرك أنك تتشكك في كل
كلمة أقولها،لكن لتدرك يا بني أن الخطر الذي قد يحل بك ..سيحل بي..
قررت هذه اللحظة أن أكتفي من الوعظ والإرشاد،خصوصاً وأني بالفعل قد
غرقت في بحر شكوك قاتم...:حسناً،ما هو الموضوع المهم الذي تريدني من أجله؟!
تهللت أسارير الأستاذ
قاسم ثم استئنف حديثه:الجامعة يا بني هي
معقل للحضارة،ولكن في واقعنا تحولت..قاطعته: على سجن..اغرورقت عيناي بالدموع،تنهال
على ذاكرتي صور الضرب المبرح الذي أخذته في ظلال
جامعتي!!
ربت الأستاذ قاسم على كتفي:أتفهم يا بني ألمك،فما أصابك ليس
بالقليل،لذا يا بني علينا أن نغير من هذا الواقع المأساوي،لنخلق واقعاً جديداً
جدير بالحياة،ولتوقن يا بني أن تغيراً كهذا لن يضيء فجره إلا بسواعد فتيه
وشابة،متنورة بنور العلم ،ومتسلحة بالحكمة،والموضوع الذي أريدك فيه هو أن تجتمع
أنت وزملائك الذين تثق بهم لنقيم دروساً في السياسة،ولنتناقش في مشاكلنا
المجتمعية،ونسعى لإيجاد حلول لها من خلال الأنشطة التي سنتفق عليها،يبتسم بمرح
ويضيف:ستكون كالدروس الخاصة...ولكن ليس في مجال التعليم...بل في مجال الحياة،أنت
تفهم قصدي،يمد يده بمجموعة من الكتب:هذه الكتب تحوي العديد من القوانين والمعلومات التي ستثري
طموحك،أتمنى أن تطلع عليها وتناقشني فيها،هذا إن رغبت في ما عرضت عليك،ولكن إن
تمخض تفكيرك على الانسحاب فيمكنك أن تكتفي بالاطلاع عليها لتزيد من ثقافتك،وكأن
حوارنا هذا لم يكن.
--------------
أقترب من بوابة المنزل ،حقاً لم أشعر بالطريق،إذ أن صوت الأستاذ ما
زال جاثماً على سمعي،أدلف بهدوء ،أمد قامتي المنهكة على السرير،أشعر ببعض الألم
والبرد،أتدثر بكل أغطيتي..غير أن البرد ما زال ماكثاً في كضيف ثقيل على أعظمي،تسري
قشعريرة مخيفة في جسدي وأنا أتذكر الضرب الموحش الذي تلقيته ذلك اليوم بعد الوقفة
الاحتجاجية،تخبرني ذاكرتي بأن وجهي صبغ بالدم،كنت أترنح بين يدي وأقدام الحرس
الجامعي،حقاً إن الجامعة في هذا الزمن أشبه بالسجن،أتذكر وجه الأستاذ قاسم وهو يربت
على خدي ويمسح عني الدم،كأني قرأت في عينيه حزناً ذلك اليوم،لكنه رأى ما حدث لنا
ولم يتحدث أو يحتج،إذاً هو مشترك في تلك الجريمة،ويريدني الآن أن أتورط
معهم...,لكني لن أفعل...لن أفعل،بدأت بالصراخ بشكل هيستيري،لم أشعر بنفسي وكأني في
تلك اللحظات جالستهم ،يبدو أني كنت أهذي،تقترب أمي وفي عينيها ذهول وخوف،إنها ذات
النظرة التي استقبلتني بها في ذلك اليوم،أخبرتها بأنه عراك مع شباب الحي،ولكنها لم
تصدق،فهي تدرك أكثر مني بأن يزن قد كبر على الحماقات،اكتفت بتوزيع نظرات العتاب
وهي تداوي جروحي،حينها تمنيت أن أخبرها بالحقيقة،لكن حروفي خذلتني،فاكتفيت بإغلاق
الباب والبكاء بين يديها كطفل صغير...حتى شاركتني البكاء.
واليوم ماذا أخبرها!!هل أخترع كذبة جديدة،أم أكتفي بالبكاء كالأطفال
كما فعلت في المرة السابقة!!تهرع والدتي لتحضر الضمادات ودواء الحمى،أسمعها تهمس
لوالدي:يزن ليس بخير،إنه غريب الأطوار في الآونة الأخيرة،تتوالى أسئلة والدي لتصطك
بأذني..أحاول الإجابة لكن قواي تخونني،نظراتي الزائغة كانت كفيلة بإيقاف سيل
الأسئلة المتدفقة أياً كان مصدرها،بعد أن
ابتلعت قرصين من الدواء تظاهرت بالنوم لأخلد إلى سكوني،أحداث اليوم تكاد تفتك
برأسي،وبين لحظة وأخرى أغفوا وأستيقظ عندما يعلو صوت هذياني،أعتقد أن أمي أدركت كل
القصة من تلك الكلمات التي بعثرها فمي ،وامتلأ بها ليلي.
في الصباح غادرتني تلك الحمى،لكنها تركت بعض وهنها في أضلعي،وشحوباً
ما في وجهي،استفتحت يومي بوجه أمي الذي تتهدل منه ابتسامه عاتبة:قبل أن تقدم على أي
خطوة يا بني عليك أن تستخير الله.
بهذه الجملة أدركت أن أمي عرفت كل شيء،توضأت وصليت...[عدها شعرت براحة
عجيبة،بدأت أقرأ تلك الكتب...ثم اتخذت قراري.مر قرابة أسبوعين على ذلك اللقاء
الاستثنائي الذي حدث بيني وبين الأستاذ قاسم،خلال تلك الفترة كنت أتحاشى لقاءه بل
والنظر إليه حتى أقرر في أمري.
نهاية الأسبوع التالي كنت أجلس في ذات المكان،وأمامي فنجان الشاي،لكنه
مختلف...إذ أنه حمل انعكاس ملامحي التي أعرفها،وليست تلك الملامح التي كدت
أستحيلها بسبب عنف الجامعة،وأخيراً دخل الأستاذ قاسم بملامحه البشوشة،عانقني
بحرارة:لطول انتظاري ظننت أنك عدلت عن الفكرة،لكن يبدو أن اعتقادي الأول فيك كان
صائباً.
-آسف تأخري،ولكني أحببت ان أدرس الموضوع من أكثر من اتجاه حتى لا
يعانقني الندم، إلا أني لم أفهم نقطة ما؟
وما هي يا بني؟
إذا كنت بصدد عرض محاضرات سياسية،ومناقشتها بشكل عام،لم تختارني وبشكل
سري ،بل وتطلب مني أن أنتقي أهل الثقة ممن أعرف؟!أعتقد أن مثل هذا الموضوع مألوف
لدى الجميع...
يا بني أنت أنبه من أن تسأل سؤال كهذا...فأنت شخص مراقب...ولأوضح لك
أكثر سألقي عليك سؤال:هل قرأت كل الكتب التي معك؟
نعم.
إذاً،هل من المألوف مناقشة تلك المواضيع في محاضرات عامة؟
أصمت وأغرق في تفكيري...بعض تلك الكتب كانت تتحدث عن خروقات سافرة في القانون،وسبق أن اعترض بعض
القانونين والمثقفين أو المفكرين،ولكن..كان مصيرهم خبر كان،فمنهم من قضى نحبه في
ظروف غامضة،ومنهم من قرر العزلة التامة بعد
خروجه من سجون السلطة،البعض منهم كان يمتلك نفوذاً واسعاً،لكنه لا يخوله
بتاتاً لاعتراض عن منظومة الفساد الذي نعيش فيه،فكيف بمجرد طلبة جامعيين!!...مجرد
طلبة،هذا هو الواقع،أعتقد أن السرية هي حل
نسبي على الأقل في الظروف
الراهنة،أجيب:أعتقد أنك على حق لم أفطن لهذا الأمر سابقاً، ربما لمرضي...أو
لانشغالي أعتذر عن..
-
لا يبني
لا تعتذر عن شيء،فالسؤال هو طريق المعرفة ،والمعرفة هي طريق الحرية.
كثرت جلسات النقاش وانضم
العديد من الشباب الذين اختارهم الأستاذ
قاسم،والبعض من أصدقائي،أسفرت تلك النقاشات على مجموعة قد يعول عليها في المستقبل
القريب