أدب وفن

دموع صنعاء
صوت أنفاسه المتلاحقة يرتطم بذرات الهواء الأخيرة المحيطة به،السماء رغم عتمة الليل يبدوا باسمة له،وطريق الجامعة برصيفه الواسع يذكره بأنه لم يشاهد بعد نتيجة  اختبار هذا الفصل،وجوه كثيرة تتلوا هلعها  في حضرة عينيه،يغمضهما فجأة ثم يستميت في فتحهما...
أحداقه  نصف مفتوحة...جسده يذوي كقطعة ثلج عائمة في سماء صنعاء،يداه لا يستطيع أن يلوح بهما لأحد،قدماه تخذلانه حتى عن تحريك جسده،وجرحه النازف يروي قصة بطولية تخيلها في أحد أماسيه عندما كان يقرأ أحد بطولات صلاح الدين،الدم والجروح المرسومة بالسيوف الحادة كان مذاقها ممتعاً للعين أثناء القراءة،لكن الجرح هنا في جسده يختلف عن الورق كثيراً ،يتساءل هل كان الورق يئن!! فكر بذلك وهو  يسمع صوته الذي أطلق صرخة مذهولة في الظلام سرعان ما تبعثرت فوق  رصيف الجامعة،لكن صوته غادره ليئن بصوت خفيض...
لقد اشترى كتب الترم القادم قبل أن تبدأ الدراسة،فهي رخيصة في مثل هذه الأوضاع،حيث يحتمل أن تغلق الجامعة أبوابها لأجل غير مسمى في ظل الانقلابات والمظاهرات الشبابية لإصلاح الأوضاع،تحمس كغيره من الشباب للمشاركة في التغيير،تخيل نسه في وضع آخر،في بلد لا يوجد فوق حدود الجغرافيا،لكنه يوجد في التاريخ..تساءل :هل يأتينا ذلك التاريخ!!كان يردد تلك الشعارات والتفاؤل يملأ قلبه(سلمية،سلمية)لذا هو حتى لم يحمل عصى ليدافع عن نفسه..
امتد في خيمته المنصوبة أمام  طريق الجامعة،ثم سمع أحدهم ينادي يا شباب نريد تعزيزات أمنية،تحرك كغيره من الشباب،وقفوا مستبسلين ليجابهوا طلقات الرصاص العشوائية –التي تلتهم الظلام- يهم بأن يخفض رأسه،ولكن الرصاصة تلتقي به في منتصف الطريق،ينتبه أحدهم إلى ترنحه،تتعالى التكبيرات،يأتي خيل صلاح الدين ليحمله،يتذكر الفصل الأخير من معركة حطين،يتذكر صباح اليوم وهتافه الحاد(سلمية ..سلمية)،ترتسم أمام عينيه علامة استفهام وهو يتذكر جهله بدرجاته لهذا الفصل الجامعي،وكتب الترم القادم من سيقرأها،من سيحرص على حضور الدروس ليحصد الدرجة والدرجتين من اجل المعدل التراكمي.
يتدلى جسده بين تلك الأكف الباردة هلعاً من جرحه النازف،وتلتقي ملامحه ببوابة الجامهة ليتذكر أنه قد لا يراها مجدداً..لن يسير فوق ذلك الرصيف الذي سطر بعدد خطواته فيه أحلامه..
تلتقي عيناه بقميص أحدهم المصبوغ بحمرة دمه هو،ينظر لذلك اللون القاني،ترتسم كلمة(الدم)في ذاكرته،انها سهلة عندما تقرأ ،سهلة عندما ترسم،سهلة عندما تروى،ولكنها مؤلمة عندما تنبع من الجسد.
 
                                                                                                      الهام الحدابي.