عندما يغادر قامة النهار ويأفل في حجب تفكيره،تستطيع أن تقرأ عبوسه كنوع من ترف الحزن...تهدهد رياح النافذة دمعة تتجذر في خده الأيسر ويرفض أن يعترف بها،وتجبره نهدةُ تنطلف بحرارة من أعماق قلبه على الإعتراف بأنها جزء منه.
ترى لماذ صار هكذا مجرد تمثال يتقن نفث الدخان في رحم حيرته!هو لا يحب أي امرآة تأتي من الظل أو من خلف الباب ،حتى لو تطابقت مع خيالاته ،لأنه ببساطة أصبح شيئاً يجهله.
يقرأ ندبة في كفه ،فتخرج زغرودة من جوف أمه وهي تبارك رصاصته الغادرة،وهل يصنع الرجال الموت إلا من أجل التاريخ،ذلك التاريخ الذي سيقص للأحفاد أن جدهم كان بطلاً لأنه خذل التوقعات وأخذ بثأر والده،لكن متى سيصنع الأحفاد!!وأي أحفاد أولئك الذين سقرأون تاريخه ويكتبون بالعريض بطل اتسم بالغدر من أجل شرف ضائع...
يتذكر حجرته المظلمة في تلك الليلة الباردة،وكيف صار الجميع -فجأة - أحبة له عندما قرر أن يصبح مجرماً من أجلهم،فليس من حق أحد غيره أن يقدم على فعلته لأنه هو الوحيد المستحق لهذا الشرف،أن يثأر يعني أن يصير رجلاً في القبيلة،أن يكسر خوفه هي الشجاعة بعينها،أن يقرأ ذعر فريسته هو الإستئساد بعينه،كل ذلك كان يردده في الظلام ليشحذ عزيمته المبتورة خلف ارتجافاته،هو الذي لم يكمل الثامنة عشر بعد سيصبح رجلاً في زمن القيض،هو الذي لم يجرؤ أن يخبر زينب أنه رأها في حلم ليلتة الأخيرة مزدانه كأنها عروسه،هو الذي لم يجروء أن يقول للقبيلة كفى،فأنا لا أريد أن أكون القتيل القادم،هو الذي لم يكف أعمامه من وصمه بالجبن منذ أن صرح بضجره من الدم الذي لا تكف القرية عن شربه،وهو الذي يقف اللحظة بين دموع لاتنتني للخوف ولا لندم،ولا للحسرة....إنها دموع سخيفة لا تكف عن الفرار من محاجره بعد أن ضاقت بألمه.
ليس بالضرورة أن نسارع الزمن ونلقي أمنياتنا الغبية في لياليه، لم يفعل ذلك غلا في صيف تعيس أفقده أعز ما يملك،لقد تمنى أن يصبح رجلاً،وأخبرته القبيلة بانه سيصبح الرجل الذي يريد إذا ما تخلى عن ضجره وذعره من الدم،وصار هو القربان القادم من أجل الشرف المنسحق في لحظات الذهول،واصبح رجلاً يفقد معناه ،ولا يقرأ إلا توجساً خلف قضبان السجون،يتذكر حريته التي وأدها بملء إرادته من اجل شيء كان يملكه في الأساس،وفي موعد الجلسة القادمة تطلق أمه زغرودة أخرى لاقتراب إعدامه،فهو الرجل الذي ستتفاخر به أمام نساء القرية كلها،وستباهي المقابر بأن ابنها هو الأطرى تربةً،ومن يدري لعله يدفن إلى جوار ذلك الذي منحه اللقب!!
اللحظة لا الحب ولا الشجاعة...ولا زغرودة أمه ،ولا شيء يمكنه ان يعيده إلى نقطة البداية،لأن القاضي قد قرأ الحكم،الحكم الذي سيصحق لقبه ،ويسحق أمنياته المتعثرة،ولكن كما يقول عمه الكبير سيكتب على شاهد قبره هنا يرقد الرجل.....
رجل الظل في ذاكرة نسوة القبيلة،وقصص لأحفادهم سيحشروها في نفوسهم ليكبروا ويصيروا مثل بطل تلك القصة ،وشاهد كبير يرقد أسفله جسدي النحيل ،يتمنى ان يكون رجل الثأر الأخير،يتمنى أن يكون آخر قربان تقدمه القبيلة لألهة الغرور،أو آلهة الشهامة،فليسموها كما شاءوا فأنا لا أؤمن إلا بقدري الذي سأواجهه اللحظة.
أمام أحداق السماء تتعثر خطواته المهملة،يتأمل شخوص القبيلة،ويقرأ فخرها الممجوج في عينيه،ويسمع زغرودة ً لعلها لأمه، ويبتسم لقاتله برجاء أن يجعله آخر فدية من أجل ثأر قديم...ثم ينظر للأرض ويهمس لها بأن تكف عن العبث ،أن توقف نهمها للجسد الذي يختفي دون ذنب في طياتها،ثم يصبوا إلى السماء....ويبكي بحرقة لنقائها،يمسح دمعاته التي أجفلت العمائم الكبيرة وأغضبتهم،ثم يتنهد بارتياح وهو يقرأ كف السماء وهي تمد يده لتحضنه بعيداً عن الشتائم التي تنفثها الأفواه قبالته دون حياء في مشهد موته.
ينتهي به المطاف بعينين نصف مفتوحتين وجسدٍ ساكن،لكنه يستطيع أن يقرأ المشهد كله ،دموع خبأتها النسوة منذ دخل السجن بملء إرادته يذرفنها دون خوف،ورجال يتأملون ملامح الدهشة المرتسمة فوق أعين الصغار الذين سيعرفون لماذا مات البطل بهذه الطريقة،ولماذا قرر فجأة -رغم الأحداق التي تملاً صورته بالخدوش-أن يصبح القربان الأخير!وسيدركون أن الموت بشرف ليس أن تقتل أحداً وإنما أن تقرر رغم خوفك أن تصبح أنت القتيل ،أن تواجه الاستغراب بابتسامة ساكنة لتمتص دهشته..
سيتعلمون أن القرابين لا تاتي فقط في عيد الأضحى وإنما قد تكون يوم الجمعة إن قرر شخصما ان يكون هو النقطة الأخيرة لقصة مؤلمة.
إلهام الحدابي.19/2/2012
ترى لماذ صار هكذا مجرد تمثال يتقن نفث الدخان في رحم حيرته!هو لا يحب أي امرآة تأتي من الظل أو من خلف الباب ،حتى لو تطابقت مع خيالاته ،لأنه ببساطة أصبح شيئاً يجهله.
يقرأ ندبة في كفه ،فتخرج زغرودة من جوف أمه وهي تبارك رصاصته الغادرة،وهل يصنع الرجال الموت إلا من أجل التاريخ،ذلك التاريخ الذي سيقص للأحفاد أن جدهم كان بطلاً لأنه خذل التوقعات وأخذ بثأر والده،لكن متى سيصنع الأحفاد!!وأي أحفاد أولئك الذين سقرأون تاريخه ويكتبون بالعريض بطل اتسم بالغدر من أجل شرف ضائع...
يتذكر حجرته المظلمة في تلك الليلة الباردة،وكيف صار الجميع -فجأة - أحبة له عندما قرر أن يصبح مجرماً من أجلهم،فليس من حق أحد غيره أن يقدم على فعلته لأنه هو الوحيد المستحق لهذا الشرف،أن يثأر يعني أن يصير رجلاً في القبيلة،أن يكسر خوفه هي الشجاعة بعينها،أن يقرأ ذعر فريسته هو الإستئساد بعينه،كل ذلك كان يردده في الظلام ليشحذ عزيمته المبتورة خلف ارتجافاته،هو الذي لم يكمل الثامنة عشر بعد سيصبح رجلاً في زمن القيض،هو الذي لم يجرؤ أن يخبر زينب أنه رأها في حلم ليلتة الأخيرة مزدانه كأنها عروسه،هو الذي لم يجروء أن يقول للقبيلة كفى،فأنا لا أريد أن أكون القتيل القادم،هو الذي لم يكف أعمامه من وصمه بالجبن منذ أن صرح بضجره من الدم الذي لا تكف القرية عن شربه،وهو الذي يقف اللحظة بين دموع لاتنتني للخوف ولا لندم،ولا للحسرة....إنها دموع سخيفة لا تكف عن الفرار من محاجره بعد أن ضاقت بألمه.
ليس بالضرورة أن نسارع الزمن ونلقي أمنياتنا الغبية في لياليه، لم يفعل ذلك غلا في صيف تعيس أفقده أعز ما يملك،لقد تمنى أن يصبح رجلاً،وأخبرته القبيلة بانه سيصبح الرجل الذي يريد إذا ما تخلى عن ضجره وذعره من الدم،وصار هو القربان القادم من أجل الشرف المنسحق في لحظات الذهول،واصبح رجلاً يفقد معناه ،ولا يقرأ إلا توجساً خلف قضبان السجون،يتذكر حريته التي وأدها بملء إرادته من اجل شيء كان يملكه في الأساس،وفي موعد الجلسة القادمة تطلق أمه زغرودة أخرى لاقتراب إعدامه،فهو الرجل الذي ستتفاخر به أمام نساء القرية كلها،وستباهي المقابر بأن ابنها هو الأطرى تربةً،ومن يدري لعله يدفن إلى جوار ذلك الذي منحه اللقب!!
اللحظة لا الحب ولا الشجاعة...ولا زغرودة أمه ،ولا شيء يمكنه ان يعيده إلى نقطة البداية،لأن القاضي قد قرأ الحكم،الحكم الذي سيصحق لقبه ،ويسحق أمنياته المتعثرة،ولكن كما يقول عمه الكبير سيكتب على شاهد قبره هنا يرقد الرجل.....
رجل الظل في ذاكرة نسوة القبيلة،وقصص لأحفادهم سيحشروها في نفوسهم ليكبروا ويصيروا مثل بطل تلك القصة ،وشاهد كبير يرقد أسفله جسدي النحيل ،يتمنى ان يكون رجل الثأر الأخير،يتمنى أن يكون آخر قربان تقدمه القبيلة لألهة الغرور،أو آلهة الشهامة،فليسموها كما شاءوا فأنا لا أؤمن إلا بقدري الذي سأواجهه اللحظة.
أمام أحداق السماء تتعثر خطواته المهملة،يتأمل شخوص القبيلة،ويقرأ فخرها الممجوج في عينيه،ويسمع زغرودة ً لعلها لأمه، ويبتسم لقاتله برجاء أن يجعله آخر فدية من أجل ثأر قديم...ثم ينظر للأرض ويهمس لها بأن تكف عن العبث ،أن توقف نهمها للجسد الذي يختفي دون ذنب في طياتها،ثم يصبوا إلى السماء....ويبكي بحرقة لنقائها،يمسح دمعاته التي أجفلت العمائم الكبيرة وأغضبتهم،ثم يتنهد بارتياح وهو يقرأ كف السماء وهي تمد يده لتحضنه بعيداً عن الشتائم التي تنفثها الأفواه قبالته دون حياء في مشهد موته.
ينتهي به المطاف بعينين نصف مفتوحتين وجسدٍ ساكن،لكنه يستطيع أن يقرأ المشهد كله ،دموع خبأتها النسوة منذ دخل السجن بملء إرادته يذرفنها دون خوف،ورجال يتأملون ملامح الدهشة المرتسمة فوق أعين الصغار الذين سيعرفون لماذا مات البطل بهذه الطريقة،ولماذا قرر فجأة -رغم الأحداق التي تملاً صورته بالخدوش-أن يصبح القربان الأخير!وسيدركون أن الموت بشرف ليس أن تقتل أحداً وإنما أن تقرر رغم خوفك أن تصبح أنت القتيل ،أن تواجه الاستغراب بابتسامة ساكنة لتمتص دهشته..
سيتعلمون أن القرابين لا تاتي فقط في عيد الأضحى وإنما قد تكون يوم الجمعة إن قرر شخصما ان يكون هو النقطة الأخيرة لقصة مؤلمة.
إلهام الحدابي.19/2/2012