الثلاثاء، 31 يوليو 2012



أحداق جائعة

فكرت في بداية الأمر أن أجعل الأمر مجرد روتين، لكن الروتين في العالم يختلف عن روتيننا اليمني، فالروتين شيء ممل بالنسبة للكثير من البشر، غير أنه في واقعنا-هنا- يصطبغ بمفهوم الألم، فالروتين هنا يعني أن ترى أكواماً من البشر يسيرون على غير هدى، والروتين هنا يعني أن تسمع أحدهم يتفاخر بفساده دون حياء، ويعني أنك تحاول وتسعى وتبني ليأتي أحمق آخر ويهدم كل ما فعلته برأي يمرره شيوخ مجلس النواب، ويعني أن نتكور في ذواتنا ونلقي اللوم كله على الآخر وكأننا أنبياء! الروتين هنا يشبه ثورتنا المبتورة التي تشبه جرحاها بابتساماتهم الرمادية...
منذ أن فتحنا أعيننا ونحن نسمع عن الفساد، ولكن فساد الأمس لا يشبه فساد اليوم خصوصاً بعد أن تم إصدار هيئة متكاملة للترويج له، والفقر في الماضي كان مجرد نقصان الكماليات إذا ما قورن بالوقت الحالي، لا زلت أتذكر جيراننا الفقراء في زمن ماضي وكيف أن فقرهم كان يعني عدم توفر الدجاج أو اللحم يوم الجمعة، أما اليوم فخبز العيش لم يعد يتوفر إلا على بعض  الموائد، كثرٌ أولئك الحمقى الذين ينهكون أنفسهم بالتفكير في اختزال الفساد في صفقات الكهرباء أو الغاز أو الكهرباء، الفساد الحقيقي لا زال يعبأ حتى اللحظة، تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطن، وثمة مسمى جديد ينتعله اللاهثون الجدد (الثورة)!
قُدر لي أن أرى الوجه الأبشع لليمن، كنت أظن أن أقبح وجه فيها هو الفساد وحسب، ولكن ثمة وجه مخيف، هل تعلمون ما هو؟ إنه وجه الإنسان اليمني عندما يُسلب حتى من كرامته، اعتدنا من المخلوع السابق الشحت على رؤوس الأشهاد من أجلنا، واعتدنا منه لغة الحرب ليستنزف جيوب الداخل والخارج دون حرمة لدماء الأطفال والأبرياء، واعتدنا منه القص واللصق وفق الحاجة بالكذب والغش والخداع، ويبدوا أنا سنعتاد وجوها أقبح منه، فما معنى أن يستمر مسلسل الذلة والشحت باسم اليمن ومع ذلك لا يتغير من الواقع شيئ! وما معنى أن نصف سكان أبين وصعدة- إلى اللحظة- يتناولون فطورهم وسحورهم في أقبية الخيام! وما معنى أن مختلف الجرائم التي تتوالى تجابه بالصمت أو التستر! وما معنى...وما معنى! في الأخير لم يعد ثمة معنى لشيء في وطن لا يعني لنفسه شيء! في وطن اعتاد أن يكون مطية للمرتزقة والفشلة والمغبونين!
عشرة أفراد يعيشون في ملحق جامع بحمام يقع على درج! ستيني يحمل علبة طلاء وفرشاة ثقيلة لا تحترم تقدمه بالسن! وامرأة في شهرها الأخير اعتادت الوقوف في الجولات وأمام نوافذ السيارات علها تحصل على قطعة مال تسد بها جوع مقعد في المنزل مع أطفاله الثمانية! طفلٌ لا يعرف من وطنه إلا ملابسه المتسخة وصراخ عمه الذي يجبره كل يوم للخروج من أجل قيمة القات! وكفيف يفترش الطرقات من أجل بضعة أفلاس، ومقعد يبيع علبة (فاين) على كرسيه الشبه مكسور، وفتاة جميلة تتقاذفها الأفواه والألسن أثناء جولة الشحت اليومية التي تقوم بها، ومستشفيات يدخل فيها المصاب بقطع بسيط في يده ليخرج مقطوع الروح، ومدارس تتفنن في نقل حرفة الغش والكذب بأساليب منهجية، وجامعات ملأى بالكثير من الطامحين الذين ما إن يتخرجوا حتى ينضموا للمستشفيات النفسية أو لأسواق القات...
في السابق كنت أرى الجوع يقطر من أحداق القاطنين في الشوارع بأعمارهم المختلفة، أتأمل قاماتهم النحيلة، وملامحهم الشاحبة تخبرك عن أن آخر وقت تناولوا في الطعام، وابتساماتهم الفاترة جزء يدللك على جنسيتهم، أما الآن فلم أعد  أرى تلك الأحداق –رغم جوعها-  مجرد ملامح جائعة للطعام، وإنما جائعة لأشياء ثمينة لا أدري متى تدركها حكوماتنا الموقرة، مثل هذه الأحداق جائعة لشيء اسمه الإنسانية....

الأربعاء، 4 يوليو 2012

سلمى



توطئة:
ذات مرة قرأت سطراً في رواية....(نكتب دائماً عن الأشياء أو الأشخاص لكي نتخلص منهم)...
ولكني هنا..سأكتبك على عكس تلك القاعدة...
سأكتبك ليشاركني الآخرين ابتسامتك الصغيرة..
سأكتبك حتى لا تفنى ملامحك في الذاكرة...
سأكتبك كأنتِ....بقدر حبي لك.


كل ما يحيط بك أبيض، كلون بشرتك النقية، وكلون أحلام التي تلازمك، أملاً في أن تتفتح مقلتيك الصغيرة في يوم ما...
هكذا بدأت القصة..
طفلة لم تكمل شهرها السابع تخرج إلى الضجيج، تخرج إلى كف لا تعرف ما معنى طفلة، تخرج إلى عالم مؤلم لا يشبه تلك الجنة التي خرجت منها...
أخبروا تلك التي تلازمك: ثمة خطأ طبي بسيط سبب اختناق الطفلة، ترقبهم عيناها باهتمام..
يخبرها طبيب آخر: الحبل السري كلن هو سبب الاختناق، يهم أحدهم بالحديث ثم يحجم عن ذلك، مؤخراً يخبرها أن ذلك الخطأ  ارتكبته ممرضة مهملة، ومن بين كل تلك التقارير تنبتين كإستفهام حزين يهطل من تلك الأحداق التي ترقبك من خلف الزجاج..
حرمتِ من حليبها...وحرمتِ من دفئها...وحُرمت هي من ملامحك الدافئة وملمسك الطفولي، إحداهن كانت تشاركها ذات التجربة، ولكنها كانت تهمس لوالدتك بملل مفرط...مجرد قطع صغيرة...لماذا نرقبها!! ينتهي موعد الزيارات للحاضنات، ولكن تبقى أمك كقطعة أخرى لزجاج يغلف تلك الحاضنة التي تقطنين فيها.
تقرير آخر يخبرها أنك ستنبتين بلا نور، وطبيب آخر يقنعها بأن تتركك لأنه ليس ثمة أمل من قطعة لحم تحمل شكل عيون وأنف! ووالد أحدهم يذكرها بأنه لا جدوى من الانتظار، ومثل هذه الحالات تعيش لشهر وحسب...
كانت تلك الصامدة تشعر بنبضك يخترق كل الحواجز، وتؤمن بأن ابتسامتك ستنبت كما حلمت بها، وأن الانتظار هو أحد قواعد الأمومة التي تتقنها..وكانت...وكانت...و كنتِ تعيشين بسكون تحت الأجهزة، تتقنين فن التألم لتثبتي لتلك الرابضة أنك لست مجرد قطعة لحم، عرفتي لغة الحقن المؤلمة، والمعقمات الصاخبة، عرفتي شكل الوحدة، والخوف...والحرمان، عرفتي الفرق بين كف والدتك الذي لا يزورك إلا لمماً، وبين كف الطبيب التي لا تفارقك..ياااه كل هذه الخبرات أخذتها من عالم البشر حتى قبل أن تفتحي عينيك...
.................
لحظاتي الأخيرة معك تقترب، تقترب بشكل مخيف، بعد قليل ستصبحي بالفعل مجرد قطعة لحم، بعد أن قرر المشفى إزالة جهاز التنفس عنك، لم تشفع دموعي...ولا طفولتك....لم يشفع شيء، وكأن قانون الحياة لا يستحقه الضعفاء مثلك، وقفت إلى جوار جسدك الذي بدا لي لوهلة نقطة من الذاكرة...
لم أستطع البكاء، لأني مارسته كثيراً في حضرة حياتك القصيرة..
بكيت عندما سمعت أول تقرير، وبكيت عندما منعت من رؤيتك إلا من وراء حجب الزجاج، وبكيت كثيراً عندما علمت بقرار غريب اتخذه المشفى كإجراء روتيني لتخلص من بعض قطع لحم قديمة كما يقولون من أجل قطع جديدة!!
لا أدري بأي عين كنت أرقب مشهدك الأخير، خمس دقائق في حضرة موتك الصغير...
خمس دقائق لتذوب شمعتك التي لم تضاء بعد!!
خمس دقائق تتوقفين تماماً، وأتمنى أن أتوقف أنا أيضاً لألقاك مجدداً، خمس دقائق كانت فاصلة طويلة غرست في أحداقي، تمنيت لو أني أصرخ..أو أبكي...
بعد انتهاء المشهد تساءلت في ذهول: أي حماقة ارتكبت! لماذا يدعوني الطبيب لأحضر مشهدك الأخير!.... ربما حتى أتذكر آخر صوت لنبضك الضعيف...ربما لتشعري بي  وتطمئني لمرة أخيرة..
عيناي تقرأن نبضك مجدداً، أصرخ بذهول وأشير إليك، يقنعني أحدهم أني أمر بمرحلة صدمة، صدرك الصغير يعلو ويهبط كما يفعل الآخرون، نبضك الهادئ يتعالى ليصنع في عالمي سيمفونية عذبة كروحك العائدة...
........................
في البداية...لم أعرف أحداً غيرك..لكن أصبحت أعرفهم جميعاً، أعرف حمودي، وأعرف سوسو..
أعرفكم جميعاً وأحبكم.
 أشكرك يا أمي..فمنك تعلمت الصبر، حتى إذا ما جاء موسم الحقن استطعت أن أتخاطب معها بصمت حتى لا أشق عليك..
تعلمت ابتسامتك...ولذا هي هدية يتيمة يمكنني أن أعطيك إياها كل صباح،وحفظت ملامحك التي تشبه روحك...لذا أنا لا أخطئ حتى في قراءة ظلك أبداً..
أشياء كثيرة أتعلمها يا أمي، قد لا أستطيع أن أخبرك بها، لكن حتماً أنت تشعرين بها، الكثير من الأشياء لا يمكنني أن أفعلها كما يفعلون...
لا أستطيع تذوق الشوكلاتة... وقد أتساءل:ترى كيف طعم الماء!
أرقب جسدي الصغير ينمو دون أن أستطيع تحريكه، وأقرأ ركض إخوتي بفرح دون أن أشاركهم، أقرأ ألوان فرحكم بهدوء من زاويتي، أتأمل ملامحكم الملأى بطقوس الحياة، عندما تأتي الاختبارات يصبح الكلام بينكم قليل لذا أشعر بالملل قليلاً، وعندما تأتي العطلة يعجبني صوتك يا أمي وأنت تصرخي فوق إخوتي وهم يتراكضون حولي،
مسلسلات الكارتون التي جلبت لإخوتي النظارات كانت تشدني ولكن زاويتي بعيدة عن التلفاز، أحب تفاصيلكم الصغيرة والكبيرة، أحب أيامكم الملأى بالضجيج، بالمرح، بالحب..
أمي...قد ترينني نبتة صامتة أختلف عن الآخرين كثيراً، لكن تأكدي أن نبضي الذي أشرق في حضرتك في زمن ما...لا زال يشرق في حضرة ملامحك كل لحظة...