قبل قليل، في زمن الذاكرة أشياء كثيرة نخبئها من أجل لحظة ما...
لكن دائماً ما تخوننا الذاكرة فتضيع أشيائنا الحبيبة في ثناياها، ونستيقظ في يوم آخر لنكون أناس آخرين، منذ الطفولة ونحن نعتاد الصدق والكذب فقط عند الرغبة في قطع الحلوى...أو عند الخوف، ذلك الخوف الذي امتد لمسامات أرواحنا حينما غدونا كباراً، ولا ندري لماذا صرنا هكذا -فجأة- نتعلل بالخوف لنواري به سواءات ألسنتنا المثخنة بالكذب.
في صباحات ماضية كان من السهل علينا أن نلتقي بابتسامات شتى...لكن في زمن الواقع أصبح الإبتسامة ترف درامي لا يتقنه إلا الضعفاء، لا بأس عند منعطف الحي ستجد امرأة مسنة من الزمن القديم لتذكرك بزمن الإبتسامة مع أنها لم تعد تملك أي سنة لتؤطر ابتسامتها.
بعد قليل... في زمن النسيان، كانت الذاكرة حقيبة للماضي والحاضر والمستقبل، ولكن غادرتنا فجأة بعد أن ملت بشريتنا الزائفة، وحل مكانها النسيان، تسمع البعض يتغنى بقوله أن إنسان مع أنك لا زلت تقرأ بقايا الدم في يديه، تسأله بذهول: من أجل ماذا صرت نصف إنسان!! يجيبك بخشوع: من أجل الوطن!!
وآخر يرتدي بزة غريبة يهتف في عقر الليل: من أجل الله سأقتلكم...فأنتم لا تستحقون المزيد من الألم.
وآخرين لا نعرفهم ولكن التاريخ يستطيع أن يرصد تنفساتهم الجوفاء، يقتلون، أو يكذبون ، أو حتى يسرقون...ويقولون من أجل الشعب كلنا نضحي! مسكين هذا الشعب ، ومسكين هذا الوطن...ومسكينة كل تلك الألفاظ التي نتقلدها فجأة ثم نعبث بكل شيء ونحن نستتر بأوراقها المندهشة، سيأتي يوم آخر ولا ندري أي لعنة أخرى سنتقلدها لنشبع غرورنا و نقتل من خلالها كل من تسول له نفسه بأن لا يؤمن بها مثلنا تماماً!!!
قليل...يأتينا بعد أن يغادره الزمان والمكان، عندما يزورنا ليس بالضرورة أن يكون هو يوم القيامة ،قد يكون يوم قيامة بالنسبة لنا فقط، قبل أن تهاجر أرواحنا إلى مستقرها ، ستقرأ أحداقنا الشاحبة هذه المفردة البسيطة وتغرق في تأملاتها المتحسرة، قليل من الصمت كان سيكفينا لنترك الكثير من الألم، وقليلٌ منه أيضاً سيداعدنا على أن نستعيد بشريتنا المهدرة في أرصفة القنوات، ولتعلمنا أنه ليس بالضرورة أن يكون حبل الكذب قصيراً لنتركه وإنما الكذب بحد ذاته موت، ها..كيف تقرأ الموت اللحظة؟ ليس كمذاق قهوتك الصباحية؟ وليس كمذاق خوفك عند اشتداد الريح وبروق العواصف،! وليس كطموحك الذي غادرك منذ أهمل الناس اسمك وصرت تراب؟ مذاقه به قليل من الأمل وكثير من الحسرة...هذا الألم ليس كلون الدماء التي أدمنتها في نشرات الأخبار..لأن هذا الألم ينبع منك أنت...
قليل من الصبر وتأتيك النهاية.
أحياناً نفضل أن نتحدث للآخرين من خلال ذواتنا المتشاركة معهم ببعض الحيرة....
ردحذفوبعد قليل من الحديث نشعر أن الكثر قد عملناه