(لفتة بألوان أخرى)
الساعة الحادية عشرة صباحاً
اليوم: العاشر من ذي الحجة
أجواء العيد تملأ المكان، وضحكات الأطفال تتخلل تلك الأجواء فتزيدها بهاءاً
وجمالاً..
أعود إلى حيث أنا..
إلى حيث العيد بألواني الخاصة
صديقة مقربة تخبرني أنها لا تفرح كثيراً بالعيد، لأنه يذكرها بأنها صارت
كبيرة
كبيرة جداً، بحيث لم يصبح للعيدية ،أو الحلوى أي صدى في أحداقها...
يأتيني صوت أمي من الذاكرة وهي تخبز الكعك...
إذهبي وافرحي كثيراً بعيدك قبل أن يفوت الأوان!!
ارتسمت علامة تعجب كبيرة في عيني يومها ، ولكني واصلت لعق الحلوى كما يفعل
بقية الأطفال
ليتك يا أمي أخبرتني ، أني بعد أن أتشح بالسواد لن أستطيع أن ألعق الحلوى
بذات الطريقة..
وليتك أخبرتني..أني بعد زمن سأصير مثل بقية النساء، ممن يرين في العيد جدول
ممتلئ من الأعمال وحسب..
عندها ربما ملأت كل دقائقي باللعب، لأجد مخزوناً إضافياً أتزود منه في
أعيادي هذه...
تخبرني معلمة التاريخ أن العيد هو طقس بشري، يتيح للبشر الهروب قليلاً من
الأمور التي تؤرقهم، حتى أنه في العصر الحجري ..كانت الحيوانات المفترسة تأخذ
قسطاً من الراحة أثناء أعياد البشر..
لكن البشر الآن صاروا مختلفين، لم يعد باستطاعتهم عقد هدنة حتى مع ذواتهم
المفترسة، نسيت معلمتي أن تخبرني بهذا السر، ولكن نشرة الأخبار التي لا توقف عن
رسم خرائط الدماء في عيوننا..فعلت ذلك.
.....
في الشارع العام، مسن يحمل كيساً كبيراً من المخلفات البلاستيكية، ويحمل
فوقها نظرة هم وابتسامة جائع،كان يقرأ الرصيف بعين أخرى، غير تلك التي نقرأ بها
طريق عودتنا للمنازل، أظنه كان يفكر هل سيطول الرصيف أكثر حتى يبتعد قليلاً من
لحظة الابتسامة الباهتة التي سيرسمها على وجه أحفاده بعد أن يعود خالي الوفاض!
مسكين هذا الرجل، لا أدري متى سيزوره عيده!
مسنة تنعس في زاوية أحد حارات العاصمة، كانت شاحبة كمومياء، لها ابتسامة
نصف خضراء، يقرأها المار بتوجس، فلا يدري هل هي من هذا العصر، أم فرت من أحد
المتاحف الوطنية، غير أن قطعة خبز جافة -خبزت على الطريقة المحلية- تتمدد إلى جوار
يدها، لتخبرك أنها مثلك، ولكن برتوش أغمق قليلاً..
......
لم أنم منذ البارحة، كنت أنتظر شيئاً، ولكنه لم يأتي بعد..
يكاد النوم يغلبني، حتى يأتيني صوتك الساكن..
تخبرني، أنك سعيد، وفرح، وجذل..
تقرأ الدهشة في عيني فتردف: وحزين قليلاً.
قليلاً!! ترتسم في عيني باللون الأصفر الذي يشبه ملامحك البالية، لا بأس،
فمثلك يدمن-غالباً- على القات، أو على الأمنيات التي لا لون لها..
أحمل خارطة ملامحك، وأذكرك بأنك تحمل ألوان أخرى، ففيك زرقة البحر، ونقاء
الطبيعة، ولكنك تصر على التحدث باللون الأصفر!
أخبرك بأن(قليلاً) ممنوعة من الصرف في واقعنا، لأن الواقع لا يستخدم إلا
(كثيراً) من الألم، والجوع..والخوف..والانتظار..
ثم تأتي وتستخدم مرادفة لم نعد نستخدمها، و تعجب أن الكثير منا لم يعد لهم
رغبة في الحديث إليك!!
الأفضل أن تتعلم لغة الإشارة، حتى نخطئ في فهمك فنعذرك..
انتظرتك طويلاً يا وطني، ثم تأتي وتقول(قليلاً)!!
وددت لو أنك صمت وحسب، إذاً لخلقت لك ألف عذر في لسان الحائرين، حتى أولئك
الذين يحبون التخاطب بلغة الموت بأشكاله، ربما يثنون أسلحتهم الموجهة إذا ماعرفوا
أنك لا زلت تحبهم..
تذهب لتكبر معهم للعيد، ولكنك تنسى أن ترى المسنة التي تنعس في قلب الطريق،
أو ذلك البائس الذي يبني مملكته من العلب الفارغة، أو حتى ذلك الشاب الذي يرتدي كل
الألوان في ملابسه...ولكن قلبه مثلك تماماً فارغاً إلا من الخوف أو اللامبالاة..
سألتفت إليك يا وطني هذه المرة، ولن أراك بالألوان المسبقة التي لونوك بها،
أو بلونك الذي ترتديه اللحظة، سأراك بلوني أنا، لوني الذي يجعل منك خريطة تتسع
لملامحنا كلها، بعيداً عن الخوف، والقات، والرصاص.
كل عام وأنت بخير يا وطني العزيز.