الجمعة، 26 أكتوبر 2012



(لفتة بألوان أخرى)
 الساعة الحادية عشرة صباحاً
اليوم: العاشر من ذي الحجة
أجواء العيد تملأ المكان، وضحكات الأطفال تتخلل تلك الأجواء فتزيدها بهاءاً وجمالاً..
أعود إلى حيث أنا..
إلى حيث العيد بألواني الخاصة
صديقة مقربة تخبرني أنها لا تفرح كثيراً بالعيد، لأنه يذكرها بأنها صارت كبيرة
كبيرة جداً، بحيث لم يصبح للعيدية ،أو الحلوى أي صدى في أحداقها...
يأتيني صوت أمي من الذاكرة وهي تخبز الكعك...
إذهبي وافرحي كثيراً بعيدك قبل أن يفوت الأوان!!
ارتسمت علامة تعجب كبيرة في عيني يومها ، ولكني واصلت لعق الحلوى كما يفعل بقية الأطفال
ليتك يا أمي أخبرتني ، أني بعد أن أتشح بالسواد لن أستطيع أن ألعق الحلوى بذات الطريقة..
وليتك أخبرتني..أني بعد زمن سأصير مثل بقية النساء، ممن يرين في العيد جدول ممتلئ من الأعمال وحسب..
عندها ربما ملأت كل دقائقي باللعب، لأجد مخزوناً إضافياً أتزود منه في أعيادي هذه...
تخبرني معلمة التاريخ أن العيد هو طقس بشري، يتيح للبشر الهروب قليلاً من الأمور التي تؤرقهم، حتى أنه في العصر الحجري ..كانت الحيوانات المفترسة تأخذ قسطاً من الراحة أثناء أعياد البشر..
لكن البشر الآن صاروا مختلفين، لم يعد باستطاعتهم عقد هدنة حتى مع ذواتهم المفترسة، نسيت معلمتي أن تخبرني بهذا السر، ولكن نشرة الأخبار التي لا توقف عن رسم خرائط الدماء في عيوننا..فعلت ذلك.
.....
في الشارع العام، مسن يحمل كيساً كبيراً من المخلفات البلاستيكية، ويحمل فوقها نظرة هم وابتسامة جائع،كان يقرأ الرصيف بعين أخرى، غير تلك التي نقرأ بها طريق عودتنا للمنازل، أظنه كان يفكر هل سيطول الرصيف أكثر حتى يبتعد قليلاً من لحظة الابتسامة الباهتة التي سيرسمها على وجه أحفاده بعد أن يعود خالي الوفاض!
مسكين هذا الرجل، لا أدري متى سيزوره عيده!

مسنة تنعس في زاوية أحد حارات العاصمة، كانت شاحبة كمومياء، لها ابتسامة نصف خضراء، يقرأها المار بتوجس، فلا يدري هل هي من هذا العصر، أم فرت من أحد المتاحف الوطنية، غير أن قطعة خبز جافة -خبزت على الطريقة المحلية- تتمدد إلى جوار يدها، لتخبرك أنها مثلك، ولكن برتوش أغمق قليلاً..
......
لم أنم منذ البارحة، كنت أنتظر شيئاً، ولكنه لم يأتي بعد..
يكاد النوم يغلبني، حتى يأتيني صوتك الساكن..
تخبرني، أنك سعيد، وفرح، وجذل..
تقرأ الدهشة في عيني فتردف: وحزين قليلاً.
قليلاً!! ترتسم في عيني باللون الأصفر الذي يشبه ملامحك البالية، لا بأس، فمثلك يدمن-غالباً- على القات، أو على الأمنيات التي لا لون لها..
أحمل خارطة ملامحك، وأذكرك بأنك تحمل ألوان أخرى، ففيك زرقة البحر، ونقاء الطبيعة، ولكنك تصر على التحدث باللون الأصفر!
أخبرك بأن(قليلاً) ممنوعة من الصرف في واقعنا، لأن الواقع لا يستخدم إلا (كثيراً) من الألم، والجوع..والخوف..والانتظار..
ثم تأتي وتستخدم مرادفة لم نعد نستخدمها، و تعجب أن الكثير منا لم يعد لهم رغبة في الحديث إليك!!
الأفضل أن تتعلم لغة الإشارة، حتى نخطئ في فهمك فنعذرك..
انتظرتك طويلاً يا وطني، ثم تأتي وتقول(قليلاً)!!
وددت لو أنك صمت وحسب، إذاً لخلقت لك ألف عذر في لسان الحائرين، حتى أولئك الذين يحبون التخاطب بلغة الموت بأشكاله، ربما يثنون أسلحتهم الموجهة إذا ماعرفوا أنك لا زلت تحبهم..
تذهب لتكبر معهم للعيد، ولكنك تنسى أن ترى المسنة التي تنعس في قلب الطريق، أو ذلك البائس الذي يبني مملكته من العلب الفارغة، أو حتى ذلك الشاب الذي يرتدي كل الألوان في ملابسه...ولكن قلبه مثلك تماماً فارغاً إلا من الخوف أو اللامبالاة..
سألتفت إليك يا وطني هذه المرة، ولن أراك بالألوان المسبقة التي لونوك بها، أو بلونك الذي ترتديه اللحظة، سأراك بلوني أنا، لوني الذي يجعل منك خريطة تتسع لملامحنا كلها، بعيداً عن الخوف، والقات، والرصاص.
كل عام وأنت بخير يا وطني العزيز.


السبت، 13 أكتوبر 2012


(بسمة)


إهداء إلى روح الشهيد عمر.......
هو لون شفاهكم الحبيبة يزدهي في عيناي كلما اختلط اسمي بدعائكم،هو قلب أمي لا يزال ينبض بي رغم توقفي عن النبض، هو كف أختي الذي يتلوني كلما مررت ذاكرتها فوق ملامحي الفتية ، هو وجه أخي الذي يشبهني إلى حد يجعلني بينكم اللحظة حتى لا أكون مفقوداً البتة، هو سماء الوطن ووجه الأرض، هو أنا بينكم ببسمتي التي تملأ طرقات العاصمة، وأزقتها الصامتة.
.....
البداية ، ليست تاريخ رحيل كما يدون في شهادة الوفاة، وليس دموع كما اعتاد البشر أن يفعلون عندما يلثموا التراب، البداية هي (أنا) يوم آمنت ب(الحرية)، لم يكن لها مذاق شايك يا أمي، أو خبزك الطازج، أو سمرتك الحنونة، لقد كان لها مذاق الوطن الذي لم نعرفه في الطفولة إلا تاريخاً أعرج، يتناقص في صفقات مرنة باسم الأخوة والتاريخ! أو ربما يوسع مداركنا معلم الرياضة ويخبرنا أن الوطن هو ذلك العلم المشنوق فوق صارية لا تكف عن التحديق بنا من علٍ، هكذا كانوا يخبروننا عن الوطن، ورغم ذلك كنت أحب الوطن ولكن بطريقة مختلفة ..
اعتقدت منذ طفولتي، أن الأرض التي تمنحني حق اللعب على وجهها، هي وحدها من تستحق أن أفديها بروحي، وكنت أأمن بأن السماء التي توزع بياض سحبها لتظلني وإخوتي أثناء تقاسمنا البسمات هي الأجدر بتضحيتي، وكنت دائماً ما أخبر نفسي، بأني وإن كنت صغيراً على معانقة العلم بجسدي، فإن لروحي مدى أوسع من قدرة الطين فيّ، ولذا كنت أعانقه منذ الطفولة بروحي، بينما يقف المعلمون ومدرب الرياضة واجمين تحت ظله، هذا هو الفرق يا أمي بين من يحب الوطن، وبين من يدعيه، فالأول يعرف أن المستحيل لا أساس له إذا تعلق الأمر بالحب، والثاني يعرف أن الممكن مستحيل إذا تعلق الأمر بوطن بالٍ كما يراه.
..........
يااااه الرحلة ليست شاقة كما كنت أظن، الأمر لا يعد كونه تجربة جديدة، هي الحرية من أجبرتني على التحليق كما آمنت سابقاً (بروحي)، روحي التي لا تؤمن بحدود الجسد، فالجسد حكايته لا تخرج عن طور الطين، ولكن الروح لها فضاءات أوسع تشبه مناجاة النجوم لأحداقنا في حلكة الليل،بدأت رحلتي من أول يوم كان للشعب فيه قصة تبحث عن وطن، شعارات الحرية تغريني بمزيد من المغامرة، وبمزيد من الإرتقاء لما أُأومن به، وكان لي ما أريد...
في شاشة التلفزيون اختصروا القصة ورووها من النهاية، جسد نحيل يتهادى بين الأكف، وقميصه الأسود يخفي فجيعة الدم في جسده، وصراخ الجميع يهول رحلتي الأخيرة إلى أحداقكم، لا أدري كيف قرأتم ابتسامتي الأخيرة، ولكنها لم ترتسم كما أريد، ربما لأن مفاجأة الرحلة جاءت من الخلف، وربما لأن بطاقة المغادرة جاءت من الأمام، وربما لأن رفاق الحرية كانوا يسابقوني لحجز مقاعد مجانية في زرقة السماء...وربما..وربما..
مؤلم أن لا أقول لك للمرة الأخيرة يا أمي(وداعاً) ومؤلم أن لا أستطيع أن أبتسم في وجه والدي وإخوتي وأخواتي مرة أخيرة، لكني فعلت ...هناك تجدوني في الذاكرة، حيث أبتسم دائماً كما تريدون، هناك في السماء أبتسم وتحمل الخيام حريتها بابتسامتي المعلقة فوق الصور المنتشرة لي هنا وهناك...
بقي أن أهمس لكم بحب، منظر الوطن أجمل بكثير حيث أنا، فالسماء لا تحوي فقط أمواج السحب البيضاء، إنها تحمل أرواحنا المتألقة أيضاً، لننظركم بلهفة كل ما مرت أحداقكم بنا في الأرض أو في الذاكرة.