السبت، 13 أكتوبر 2012


(بسمة)


إهداء إلى روح الشهيد عمر.......
هو لون شفاهكم الحبيبة يزدهي في عيناي كلما اختلط اسمي بدعائكم،هو قلب أمي لا يزال ينبض بي رغم توقفي عن النبض، هو كف أختي الذي يتلوني كلما مررت ذاكرتها فوق ملامحي الفتية ، هو وجه أخي الذي يشبهني إلى حد يجعلني بينكم اللحظة حتى لا أكون مفقوداً البتة، هو سماء الوطن ووجه الأرض، هو أنا بينكم ببسمتي التي تملأ طرقات العاصمة، وأزقتها الصامتة.
.....
البداية ، ليست تاريخ رحيل كما يدون في شهادة الوفاة، وليس دموع كما اعتاد البشر أن يفعلون عندما يلثموا التراب، البداية هي (أنا) يوم آمنت ب(الحرية)، لم يكن لها مذاق شايك يا أمي، أو خبزك الطازج، أو سمرتك الحنونة، لقد كان لها مذاق الوطن الذي لم نعرفه في الطفولة إلا تاريخاً أعرج، يتناقص في صفقات مرنة باسم الأخوة والتاريخ! أو ربما يوسع مداركنا معلم الرياضة ويخبرنا أن الوطن هو ذلك العلم المشنوق فوق صارية لا تكف عن التحديق بنا من علٍ، هكذا كانوا يخبروننا عن الوطن، ورغم ذلك كنت أحب الوطن ولكن بطريقة مختلفة ..
اعتقدت منذ طفولتي، أن الأرض التي تمنحني حق اللعب على وجهها، هي وحدها من تستحق أن أفديها بروحي، وكنت أأمن بأن السماء التي توزع بياض سحبها لتظلني وإخوتي أثناء تقاسمنا البسمات هي الأجدر بتضحيتي، وكنت دائماً ما أخبر نفسي، بأني وإن كنت صغيراً على معانقة العلم بجسدي، فإن لروحي مدى أوسع من قدرة الطين فيّ، ولذا كنت أعانقه منذ الطفولة بروحي، بينما يقف المعلمون ومدرب الرياضة واجمين تحت ظله، هذا هو الفرق يا أمي بين من يحب الوطن، وبين من يدعيه، فالأول يعرف أن المستحيل لا أساس له إذا تعلق الأمر بالحب، والثاني يعرف أن الممكن مستحيل إذا تعلق الأمر بوطن بالٍ كما يراه.
..........
يااااه الرحلة ليست شاقة كما كنت أظن، الأمر لا يعد كونه تجربة جديدة، هي الحرية من أجبرتني على التحليق كما آمنت سابقاً (بروحي)، روحي التي لا تؤمن بحدود الجسد، فالجسد حكايته لا تخرج عن طور الطين، ولكن الروح لها فضاءات أوسع تشبه مناجاة النجوم لأحداقنا في حلكة الليل،بدأت رحلتي من أول يوم كان للشعب فيه قصة تبحث عن وطن، شعارات الحرية تغريني بمزيد من المغامرة، وبمزيد من الإرتقاء لما أُأومن به، وكان لي ما أريد...
في شاشة التلفزيون اختصروا القصة ورووها من النهاية، جسد نحيل يتهادى بين الأكف، وقميصه الأسود يخفي فجيعة الدم في جسده، وصراخ الجميع يهول رحلتي الأخيرة إلى أحداقكم، لا أدري كيف قرأتم ابتسامتي الأخيرة، ولكنها لم ترتسم كما أريد، ربما لأن مفاجأة الرحلة جاءت من الخلف، وربما لأن بطاقة المغادرة جاءت من الأمام، وربما لأن رفاق الحرية كانوا يسابقوني لحجز مقاعد مجانية في زرقة السماء...وربما..وربما..
مؤلم أن لا أقول لك للمرة الأخيرة يا أمي(وداعاً) ومؤلم أن لا أستطيع أن أبتسم في وجه والدي وإخوتي وأخواتي مرة أخيرة، لكني فعلت ...هناك تجدوني في الذاكرة، حيث أبتسم دائماً كما تريدون، هناك في السماء أبتسم وتحمل الخيام حريتها بابتسامتي المعلقة فوق الصور المنتشرة لي هنا وهناك...
بقي أن أهمس لكم بحب، منظر الوطن أجمل بكثير حيث أنا، فالسماء لا تحوي فقط أمواج السحب البيضاء، إنها تحمل أرواحنا المتألقة أيضاً، لننظركم بلهفة كل ما مرت أحداقكم بنا في الأرض أو في الذاكرة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق