الخميس، 13 سبتمبر 2012


رائحة في الذاكرة
لا زلت أشم رائحة طين جبل( الضبوعة)، حيث أقدامنا تلهو منذ الصباح الباكر هناك، عندما كنت أفتح أحداقي الصغيرة، لا أرى منك إلا بعض المنازل المتراكبة وكأنها حبات رمان، وصباحك القرمزي يصبغ نافذة جدتي بنكهة خبز (الطاوة )التي اعتادت جدتي أن تصنعه لنا لنترك الطين ونجري إليها يديها الحبيبتين.
أحبك كما أنت، كما لون جبالك السمراء، كما جمال ارتفاعاتك التي لا تكل عن سرد تفاصيل وطن يضج بالتفكير، كما بقالة (نصر) الذي علمنا أن نحتفظ بنصف ريال ونتشارك في علبة البيبسي من أجل قطع شكلاة إضافية، أحبك كما لون السيارة الحمراء لخالي الراحل، أحبك بقدر تعاريج الطريق من مدرسة (بلال) الابتدائية إلى الباب الرمادي لمنزل جدي، بقدر الخدوش التي تملأ باب غنم أم موسى، بطعم البطاط حق أم علي، والآيس كريم حق الضالعي، بقدر التفاصيل الصغيرة التي كنت أسرقها أثناء العطلات الصيفية فيك.
وأحب صنعاء التي عشت فيها أغلب عمري، لكن رائحة الذاكرة لا تأتيني إلا بملامحك أنت..ماذا أفعل إذا كانت ذاكرتي لا تحتفظ إلا برائحة واحدة لمكان واحد...ارتبطت به كقلب أمي!
يقولون: لابد من صنعاء وإن طال السفر، ولكني هنا..في قلب صنعاء..ومع ذلك لا أشعر بنبض الحياة، أبتسم لأن الآخرين يفعلون هكذا، وأتحدث وأصمت لأنهم يريدون ذلك، هكذا هي صنعاء..أنثى جميلة، تتبختر بخيلاء أنيق، تستطيع أن تلهمك ألف قصيدة في الثانية الواحدة، وتستطيع أن تجعل منك عاشقاً فجأة، وتستطيع أن تهبك كل ما تملك،وهي كريمة..ولكني لا أريد كل ما تملك..أريد نبضها فقط!
وهذا شيء لا تملكه صنعاء، حتى عدن...أحب ابتسامتها البيضاء، وملامح حبها الكبير بشخوصها الطيبين، غير أني لا أحتاج أن أغوص في المزيد من تفاصيل الجمال الأخاذ كما يحلوا لصنعاء أن تبهرني به، ولا أحتاج أن أتسمر لجمال ابتسامة عذبة ترسمها عدن أو الحديدة أو أبين في أحداقي..أنا أريد(نبضاً) أشعر به ويشعر بي..
وهذا هو الشيء الوحيد الذي تملكه تعز، فكيف ألام بحبها؟!
فنبضها قصير في الذاكرة، ولكن له رائحة مميزة، تشبه الطين الذي لهونا به في الطفولة، وتشبه شجرة ملكة الليل التي ماتت منذ أن غادرناها إلى صنعاء..
همست لها ذلك المساء: ولكنه القدر، أن يكون كل شيء هناك، حيث الجميلة، التعليم والمستقبل والعمل...البنايات والسيارات والشوارع الكبيرة..قرأتها بعيني السياب: يا غربة الروح في دنيا من الحجر...والثلج والقار والفولاذ والضجر..
وكلما كنا نأتي لنسرق بعضاً من هوائها كانت تكرمنا بأمطارها الذيذة، وتزورني عبر(السُجارة الحمراء) لبيت جدي، فأتأمل الجبل والسماء بخشوع جميل يسمعني نبضها أكثر..
يا من يلوموني في حبها...هذا حظي في ما أملك فكيف تؤاخذوني فيما لا أملك!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق