قراءة نقدية في بنات الرياض
القصة أو- السالفة كما أسمتها مؤلفتها رجاء الصانع- لا تصل إلى الحجم
الإعلامي الذي أثارته في الساحة الأدبية، ويبدوا أن الكبت السعودي وندرة الأقلام
النسوية السعودية كانت كفيلة في خلق تلك الهالة الضخمة التي أرى أنها قللت من قيمة
العمل على بساطته، ولأننا اعتدنا بمنظورنا العامي أن نرى تلك الأشياء البسيطة بشكل
أجمل خصوصاً إذا لم يكثر الحديث حولها، لكن أن يكثر الحديث حولها بشكل لا يليق
بمكانتها المتواضعة فهذا يقلل من قيمة العمل الفني وإن شهدت له مبيعات السوق أو
القنوات الإعلامي، لأننا بمرور الوقت يمكن أن نفرق بين تلك الهالة الفجائية وبين
قيمة الحرف عندما ننتهي من قراءة أي عمل أدبي.
بالنسبة لي أعجبت بأسلوب الكاتبة كثيراً، فهي وإن لم تكن أديبة محترفة في
مفرداتها إلا أنها استطاعت أن تنقل الجو الذي يناسب القصة التي أوردتها، بغض النظر
عن القيم المبالغ فيه في متن الفصول، وأحي فيها نقطة التفاعلية التي أوردتها ضمن
متن السرد، حيث أوضحت بأن عملها عبارة عن رسائل(بوح) بحقائق كبيرة، الجانب التفاعلي
خلق للقصة مزيج من الفكاهة والتشوق لمعرفة شخصية الكاتبة، وعلى الرغم من أني عرفت
شخصية الكاتبة قبل أن أقراء قصتها إلا أني كنت كل يوم اكتشف فيها شخصية مرحة من
خلال تعليقاتها الساخنة على الردود الأسبوعية لرسائلها تلك،من الناحية الأدبية
تضمين تلك النقطة التفاعلية يجب أن يورد بأسلوب غير مباشر وهو ما نسميه(الراوي
الخارجي) لكن الكاتبة اعتمدت على تضمين ردودها بشكل مباشر، وبررته بأنها حكايا صديقاتها
التي تروي هنا –هي- بالنيابة عنهن.
تقع القصة في خمسين رسالة، تعتمد فيه الكاتبة على أسلوب المقدمة المقتبسة
من موضوع يناسب موضوع السرد الذي سيورد في الرسالة، ومن خلال تلك المقدمات يستطيع
أن يلحظ القارئ الثقافة الأدبية التي تلم بها الكاتبة على عكس مارآه البعض في أن
القصة ملفقة لأنها تستنسخ أعمال قديمة جداً لم تعايشها الكاتبة! متناسيين أن الحرف
ليس له عمر محدد في الزمن الذي نستخدمه في أعمارنا،تعتبر القصة ، قصة اجتماعية
بحتة كونها تتحدث عن مشاكل اجتماعية وعاطفية لمجتمع ما،والفكرة الأساسية التي
تتحدث عنها القصة هي(الحب المفقود) في المجتمع السعودي،وتدور كل الحبكات حول ذلك،
من خلال الشخصيات الأربع الأساسية تحاول الكاتبة أن تقول ما يحدث من أعمال
يستنكرها المجتمع وتمارسها بصمت مختلف طبقاته، وإن كانت تركز على ما يسمى الطبقة
المخملية.
الزمن والمكان، يردان وفق الأحداث، ولكن من خلال السياق يتضح أنه في عصر
التكنلوجيا، حيث تضمن بعض الأحداث قصص الشات وتجاوزاتها، وبعض البلدان التي تحاول
الكاتبة من خلالها نقل صورة مقربة عما يدور في ذلك المجتمع من وجهة نظرها، حيث
تصور لنا فكرة الملامح التي ترتدي السواد أو العقال على حد سواء قبل الدخول في
الأجواء الوطنية، وكيف أن ذلك يمكن أن يخلق حالة انفصام في الشخصية كما يورد على
ألسنة أحد الشخصيات.
يمكن أن نرسم ثلاث خطوط أساسية لهذا العمل، حيث تأت الاقتباسات في الجانب
الإيجابي كونها تعمل على التمهيد للقارئ حول ما سيدور في الرسالة القادمة، كما
أنها تعبر عن مدى إلمام الكاتبة وثقافتها الأدبية، أما والجانب الثاني يأتي في
الحياد، بحيث يمكن أن يقرأ كنقطة إيجابية أو سلبية، وهي نقطة إفراد رسالة كاملة
لأحد الشخصيات، وعدم التوازن في حجم كل رسالة وأختها، ولكن كونها وضحت أنها رسائل
فهذا يجعل الأمر في خط الحياد، أما الجانب الثالث وهو الجانب السلبي، وأبرز نقطة
في هذا الجانب هي اللغة العامية، وإن كانت وضحت طريقة نطق ومعاني بعض الكلمات، إلا
أن العمل الأدبي الناجح هو الذي يمكن أن يقرأه أي شخص يتحدث العربية وليس لهجة
بعينها، من ناحية أخرى المبالغة في الأحداث الغرامية، حيث نقرأ واقعاً مخالفاً
للمنطق تماماً، قد يقول أحدهم أن الفن لا يعرف حدود المنطق، سيكون ذلك صحيحاً لو
أن الرواية كانت عامة، لكن أن تحدد فئة من العنوان ثم تتجاوز كل خطوط الواقع فهذا
يعد أمراً مخلاً بالعمل الفني.
أحي الكاتبة على جرأتها في نقل تلك المفردات التي يواريها البعض ويمارسها
ولكن ليس بالحجم الذي-هي أوردته، وآسف من ردة الفعل الدينية تجاه هذا العمل، إلى
درجة أن بعض الشخصيات الدينية الكبيرة تحدثت فيه بعنف وأعطته قيمة أكبر من قيمته،
متناسيين ان العمل الأدبي يبقى عملاً أدبياً وليس واقعاً إلا إذا سرد حقائق بوثائق
كما يحدث في الروايات التاريخية، كنت متحمسة جداً قبل وأثناء وبعد قراءتي لقصة
رجاء الصانع، ولكن بعد رأيت لها مقابلة في أحد البرامج السعودية، ساءتني ردة
فعلها، وأعجبت بأحد الردود الواردة أسفل ذلك المقطع(عرفت كيف تركبي الموجة)!!
جميل أن يصل عملها غلى ذلك المستوى من النجاح، لكن الأجمل أن يصبح لوجود
عملها معنى حقيقي، غير أن معظم الإجابات التي كانت توردها في المقابلة كانت تناقض تماماً
حروفها التي وردت في تلك الرسالة، وتمنيت على الإعلام لو أنه يقوم بربع تلك الحملة
لكاتبات سعوديات أروع بكثير من رجاء
الصانع ، ولكن يبدو أن الإعلام لا يبحث إلا عن كاتبة تثير الساحة الدينية بأفكارها
الجريئة وإن لم تكن تحمل قيمة فنية حقيقية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق