الجمعة، 16 نوفمبر 2012


رحلة أخيرة


رائحة السماء تشبه لون ملامحك الندية، وتشبه وقع خطواتك الباسلة، وتشبه عيون قبة الصخرة وهي تقبل الشهداء واحداً تلو الآخر، تلك قصة فلسطين التي تقرأها الأجيال منذ عقود، وتدرس في المدارس، وفي خيام اللاجئين، وفي الذاكرة العربية التي تحسن النسيان، وكنت منذ طفولتك تقرأها بحروف أخرى، كنت تعرف أن أي قضية لا تعيش إلا بأرواح معتنقيها، وكنت تؤمن بأن رحلة الخلود لا تحتاج لتذكرة سفر معدة مسبقاً بتاريخ عودة أو ما شابه، إنها حتى لا تحتاج لملامح للتأكد من الهوية، كيف وإن كنت بلا هوية حتى في بلاد العرب أوطاني!
لم تتقن اللعب كأقرانك من أطفال البشر، لأنك كنت طفل من فلسطين، وهل يحسن أطفال فلسطين غير الابتسامة والألم!
وفي شبابك لم يكن للحديث الساذج مكان بين حروفك، لأن ذلك الحديث لا يتقنه إلا من لا يعيش بغير هوية، رغم ثبوت هويته التي تعترف بها كل دول العالم، على عكسك، فأنت الذي تستخدم كل حروفك لترسم خطة أو أخرى من أجل القضية، فهويتك لا تعترف بالأرقام الضيقة والختوم الملونة، هويتك قضية بحجم الأقصى، ولذا لا يصح أن تتحدث بلا مبالاة كما يفعل الآخرون.
هذا الصباح ليس ككل صباح، دائماً ما تمارس طقوس الشوق للجنة، تتذكر أحبتك الراحلين، وتعيد قراءة خططك العسكرية،لتضمن عدم وجود ثغرة ينتصر بها العدو، ثم تذهب لتتفقد جنود غزة، وتتأمل تلك الصواريخ البسيطة التي تختصر كفاح شعب أعزل إلا من كرامته، تذكر خارطة فلسطين وكيف تقلصت بفعل الاتفاقيات اللاشرعية، وتتأمل مأساة الحصار بصمت، ثم ترتسم تلك الصواريخ بشموخ في أحداقك، وتتذكر مشروع القضية الذي لأجله تعيش.
لم تكن العنوان الأبرز في قضية جلعاد شاليط، أو هكذا قالت وسائل الإعلام المزيفة، ولكن قامتك الشامخة اختصرت بطولتك الفتية بيدك الممسكة لذلك الأسير، وانتهت الصفقة بسجدات كثيرة وكبيرة على صدر أرض فلسطين، قرأتها العيون بشوق وفرح وشكر لكل تلك الأكف النضرة التي شاركت في بطولة التحرير تلك، وكنت الرقم الأصعب في معارك كثيرة لا يتابعها العرب، ولكن يكفيك أن تتابعها الحبيبة فلسطين.
كعادتك تذهب وتجيء متخفياً من أجل مشروع القضية الذي بدأته في صباك، وكعادتك تبتسم وقلبك هناك، حيث الأحبة، وموعد الرحلة الأخيرة، كل يوم ترحل عيونك إلى الأفق تفتش في الذاكرة عن درس فلسطين العربية الإسلامية، عن قبة الصخرة التي قد تسقط بين لحظة وأخرى ، عن شواهد قبور الشهداء وكيف صارت زروعاً بدل أشجار الزيتون المقتولة بجرافات المحتل،وعن جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
ينطلق صاروخ الموت من جوف الحقد الدفين، ويقطع رحلته بين اللحظات ،كان يظن أنه بموتك سيقضي على الخوف الذي يسيطر عليه، أو ربما ظن لوهلة أن بموتك ستخاف صواريخ غزة الأبية ولن تتحرك، نسي ذلك الصاروخ درس أحمد ياسين والرنتيسي، نسي ملامح عياش وعقل، ونسي ابتسامة ريان وشحادة، وظن أن الأمر سيجدي معك!
هي لحظة فاصلة ما بين الحياة والموت، هذا بالنسبة للبشر العاديين، ممن يدمنون انتصارات التاريخ وحسب من أولئك العربان، أو ممن يتقنون نصرتكم بالصراخ والدموع! لكن الأمر مختلف كلياً بالنسبة لمن سيذهب في نفس رحلتك الأخيرة، فاللحظة الفاصلة بين الموت والحياة –هنا- حياة، وما تلك اللحظة بدويها إلا شكل من أشكال الاستعداد للانطلاق في رحلة الخلود، حيث لن تحتاج لهوية ومطابقة الصور، فالسماء تعرف سكانها مسبقاً،وملامحك التي قطفها الصاروخ الحاقد قد نبتت مجدداً في الجنة، حيث تستطيع أن تلتقي حقيقية بأولئك الذين لطالما فتشت عنهم الأفق..
رحلتك الأخيرة بالنسبة لنا فرح مشوب بكثير من الحزن والفقد، ولكنها بالنسبة لك ولبقية الشهداء رحلة خلود لا يكتنفها إلا الفرح والسرور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق