الاثنين، 31 ديسمبر 2012

جيب أبي

Post With Featured Image



المكان : حجرة صغيرة تختبئ في جدران الذاكرة
الزمان: المطر.....الشمس... وجه أبي ..وابتسامة أمي ..حيث كانت الأشياء تحمل رائحتها الخاصة بها.
اللحظة: ذاكرتي تمتلئ بالورق بمختلف أحجامه، ورائحتي صارت تشبه عاصمة مكتظة بملامح زوار غرباء عنها، يقولون أنهم جاءوا ليروا كيف أن لون الشمس هنا يحمل شكلاً آخر.
!
في البطاقة الشخصية صورة تشبه تلك التي تقابلني في انعكاس النافذة التي أجلس إلى جوارها، لا أشعر بالاطمئنان كثيراً، فحزين شعورك أنك أنت ولست أنت! ملامحك تحمل تفاصيل ميلادك، وذاكرتك تغترب كل ثانية وابتسامتك تستوردها عندما تقتضي الحاجة، تعلمت تلك الابتسامة من أحد محاضرات العلوم السياسية، حيث شرح لنا الأستاذ كيف أنه ليس بالضرورة أن نبتسم بكامل رغبتنا في مواقف معينة، فالوطن فوق كل شيء ، ولذا لا بأس أن نصافح ونبتسم لأعدائنا من أجل المصالح الوطنية، مسكين يا وطني كل هؤلاء القوم يبتسمون عنوة من أجلك ليمرروا مصالحهم!
في ميلادي الخامس والثلاثين أخبرتني صديقتي بأنه من المجحف أن ننتظر للوظائف الحكومية التي لن تأتي إلا بعد أن نتحول إلى شواهد قبور، وعرضت علي أن نبدأ مشروعنا الخاص، مثلاً يمكننا أن نبيع البطاط، فكرت جدياً بما قالت، ولكني وجدت كل الجولات تحمل شخوصاً يجرون عربات تحمل البطاط الذي يبيعونه طيلة اليوم، تساءلت في سري: ترى أي شهائد تحملها هذه الملامح التي أنهكها الانتظار؟، اقترحت عليها اليوم التالي لو أننا نبدأ بتجارة لبيع الحقائب النسائية، فرحت صديقتي كثيراً وبدأنا بإعداد خطة، ولكننا اكتشفنا أنه لا يوجد سوق سيقبل حقائبنا بأسعارها التي قد لا تنافس البضائع الصينية، في المساء سمعت نشرة الأخبار تقول أنهم سيشجعوا الاستثمار المحلي لرفع الدخل الوطني، قهقهت في سري: عن أي استثمار يتحدثون وأسواقنا ثغر مفتوح لكل ما هب ودب!
ألمح التقويم الذي بدا شاحباً لكثرة ما علق به من الغبار، فقل ما أنتبه لوجوده ،لانشغالاتي المتكررة بالأرشفة وترتيب الورق،يرتسم تاريخ نهاية الشهر في عيني بفرح ويتزامن معه صوت المسؤول المالي وهو يناديني لأستلم (معاش) الشهر.
أتلمس النقود وأنا أحشرها في الجيب الخلفي لحقيبتي المترهلة، لا أدري لماذا تذكرت جيب والدي، ذلك الجيب الذي دائماً ما يكون مفرغاً إلا من بعض الإفلاس التي نحاول أن نستدرجه ليعطينا إياها عندما ينقص الخبز أو البطاط أو الطماط ، يُدخل أبي يده في ذلك الجيب ويلويه طويلاً ، وننتظر أن يُخرج منه شيئاً، ولكن في الأخير نذهب ونشتري الأشياء ويدونها البائع كدين يرسم هالات سوداء على أحداق والدي...
كنت أحياناً أعتب على ذلك الجيب الطويل، وأتخيل أنه يلتهم نقود أبي ويتركه حزيناً، لم أدرك أن الحياة كانت تعقد صفقات سرية مع ذلك الجيب الخائن لنشتري الحلوى، ويترك أبي للدين من أجل الخبز!
كل نهاية شهر، يزورني الوطن بوجهه الشاحب، ويسألني عن جيب حقيبتي التي لم تختلف طبيعتها عن طبيعة جيب والدي، ولكن أخشى أن أكتشف يوما ما أن هذا الجيب ليس سوى وطن نخبئ فيه أحلامنا، ثم تستهلكها الحياة وتتركنا هالات رمادية تنتظر مجرد وظيفة حكومية!!

الخميس، 27 ديسمبر 2012



 قراءة نقدية في نصف مواطن محترم


شدني العنوان كثيراً عندما تصفحت خبراً يفيد بأن كاتب الرواية يعتبر أول عربي تدرس أحد روايته ضمن برنامج دراسي في استراليا، بدأت بالاطلاع حول أعمال هاني نقشبندي، وشدتني العناوين المتنوعة لروايته البديعة، غير أن عنوان هذه الرواية بالذات جذبني لعالم القراءة في موسوعته، فأبحرت فيها وتفاصيلها التي أجابت عن تساؤلات كثيرة حول ثوراتنا التي لم تنتهي بعد.
رواية نصف مواطن محترم، من الروايات التي لخصت مشهد الثورة وغضب المواطن البسيط بأسلوب ساخر، ولكن من زوايا عدة، فزاوية الحاكم المتسلط رئيس المحفل وصندوقه السحري تجسد لنا عنجهية الحاكم العربي وجبروته المصطنع الذي يسقط كل لحظة من الخوف، ويعتمد على البطش في استمراره، كما تأتي زاوية الأتباع (أعضاء المحفل) لتلخص لنا دور الحاشية التي تغري الحاكم بمزيد من البطش والجبروت، ودور الحكيم الذي يعتبر صوت وحيد ومنبوذ في المحفل، كما يحدث في البلدان العربي، فالحاكم لا يسير الوضع إلا وفق السياسات التي تضمن بقاء حكمه، وأعجبتني شخصية(عضوة المحفل) التي ينقل الكاتب من خلالها السلام الذي تطمح له المرأة بطبيعتها، وزاوية المواطن البسيط الذي يعتبر بطل الرواية ككل.
تقع الرواية في فصلين، يتحدث الأول بشكل مفصل عن المحفل الذي يعتبر فكرة رمزية للعالم المخملي البعيد الذي يعيش فيه الحاكم، وماذا يدور هناك، كما يسلط الفصل الأول الضوء على شخصية المواطن المسكين الذي يجسد الشعب ومعاناته من انعدام أبسط الحقوق، كما تسير بنا أحداث الرواية بشكل قريب من معاناة الشعب الذي نعيش واقعه وفصوله، من فساد الرشوة حتى في الجنب الصحي، من الثورات التي تشطرت بسبب الجهل، فكما يهتف هنا أناس من أجل حقوق يهتف هناك أناس من أجل الحاكم! تماماً كما يحدث في واقعنا المعاش، وفي الفصل الثاني  والذي حمل عنوان(عضو جديد) ويتحدث  بشكل مفصل عن معاناة المواطن الذي قبض عليه بتهمة خيانة الوطن وبالعمالة وبامتلاك جهاز خطير يهدد أمن الوطن، رغم أن جهازه الخطير لم يكن سوى غسالة الملابس المتآكلة التي يحاول أن يصلحها من أجل زوجته المتعبة، كما يثير هذا الفصل تساؤلات حقيقية لدى القارئ حول ما الذي يمكن أن يقوم به أي مواطن عادي إذا وصل لسدة الحكم، هل من الممكن أن يكون كبطل هذه الرواية، أم من المكن أن يكون حقاً بطلاً أسطورياً يستطيع التغلب على سطوة ولذة ملمس كرسي السلطة؟
الرواية على مستوى الفكرة تعتبر فكرة اعتيادية نعايشها في واقعنا، غير أن تسلسل الأحداث والانتقال بين زوايا الشخوص التي تمثل تلك الأحداث أضاف طابعاً درامياً ابداعياً للفكرة ،خصوصاً عندما يتيح للخيال مساحة واسعة من حيث الوجود في النص، من ناحية الأسلوب، تدور الرواية بشكل متوازي بين الراوي الداخلي والخارجي وفق ما يقتضيه الحدث، غير أن الحوار هو الأسلوب الذي طغى على مشهد الأحداث ككل، ربما لأن الكاتب يريد أن ينقل صورة ما يحدث بألسنة تلك الشخوص لتكون أقرب للواقع.
أبدع الكاتب في اختيار الشخوص ، سواءاً من فئة السلطة أو من فئة الشعب، فمن ناحية السلطة، يأتي وصف أعضاء المحفل ليقرب الصورة أكثر بشكل يكاد يتطابق مع الواقع بشكل درامي، أما من ناحية الشعب، فالمواطن بطل القصة لم يحمل اسماً ليكون هو كل واحد منا، مع اختلاف الأحداث وطريقة التصرف، كما أن تسلسل الأحداث وانسانيتها يخلق جواً حميماً بين القارئ والنص، حتى لكأن القارئ يشعر أنه هو المواطن المسكين هذا ، غير أن الخاتمة الصادمة تجعلنا نعيد حسابنا بالاندماج الذي كنا قد كوناه مع شخصية المواطن، وأعتقد أن الخاتمة على رغم قتامتها إلا أنها تعتبر خاتمة جديدة وموفقة، لأنها تخلق تساؤل عميق لدى القارئ، هل بالفعل يمكن أن يتصرف أي مواطن بهذه الطريقة فيم إذا وصل لسدة الحكم؟!! الواقع يخبرنا أنه ربما يكون أسوأ من ذلك، فحكامنا العرب وصلوا من رحم معاناة الشعوب ومع ذلك اضطهدوا شعوبهم!

الخميس، 13 ديسمبر 2012


حارة الضبوعة



الوقت يتعلق بين عقربي الساعة وهو يرى آخر وجود له في حياتك اللحظة
أتساءل: بأي كف التهم الموت نداك؟
هل كانت أنفاسك الأخيرة....بدفء قلبك أم ببرودة الفقد
لا أدري
ولا أريد أن أدري
اسأل فقط لأمارس هوايتك الجميلة في طرح الأسئلة، وأنت تطلين علينا  من شرفتك المليئة بالستائر حتى لا يرى ظلك أحد
تسألني: هل عاد؟
هل ثوبه نظيف؟
هل هو جائع؟
هل يريد شيئاً.......
أكره المرأة عندما لا تكون إلا أنثى
ولكنك يا (أنت) لم تكوني مجرد أنثى، وإن كانت حروفك معظمها لا تخرج عن طور ذلك المخلوق الضعيف
أتعجب، كيف لم تبك وقد دفنت نصف أطفالك في مقابر مختلفة!
كانت أمي تهمس كما أحداقك همست لي: لأني أم.
وهل تعبر الدموع عن الفقد!
صحيح....
سؤال ساذج، ولكن النساء قاطبة يمارسن تلك الطقوس في حضرة أي فقد، فكيف إذا كن أمهات...والفقد هو موسم حصاد لأطفالهن!
أتعجب وحسب!
صوتك الجهوري لم يكن جزءاً من الذاكرة وحسب، وإنما من الحاضر والمستقبل، فأنت لست مجرد أم كما قلت، أنت (جيل) من الصبر، ونهر من الحنان، وقلب من الحب...
لم تحبي أن نتحدث معك بتلك الطريقة، كنت تحبين الصرامة في كل شيء، حتى في طريقة ضحكتنا..
وكنا دمى سمجة لا تفقه معنى حروفك الجميلة...
في السابق، أتذكر وجهك ولون الطين المتسخ على ثيابي، النظرات الحارقة التي تقذفني بها أمي، وعصاك الطويلة التي تقف بشموخ أمام عيني لأرتجف...ثم يأتي صوتك الجهوري(العصا خرج مع أبونا آدم من الجنة) ولازالت أختي الصغيرة ترددها إلى اللحظة بطريقتها المحببة، ثم ننتظر العصا ومصيرها المشؤم فوق أكفنا، ولكنها تهجع إلى جوارك غاضبة، وأنت تضربينا بتهديدك وحسب، كنت أقرأ حباً جماً لنا في عينيك، وصرامة كبيرة سرعان ما تتسرب بعد أن نبدأ اللعب أمام ناظريك..
لا أتذكر أنك قد تجاوزت حد التهديد بعصاك الطويلة تلك، ثم سرعان ما تصنعي لنا الخبز والبيض والحليب، وتعطينا ربع الريال لمن سيأكل أكثر حتى نكبر أسرع..
سؤال نسيت أن أسألك إياه في زمن البشر: لماذا لم تملي قط من نظراتك الحنونة تلك، لم نكن خمسة، أو عشرة ، أو عشرين....كنا أكثر بكثير، وكانت أحداقك تخبرنا بلغتها الشفيفة أن لكل واحد منا حق عندك، لن تبخلي به، اعتدت في أزمان أخرى أن أنتظر هداياك الجميلة، خشيت في أحد الأصياف أن تعطيني بيضاً وحليباً كما كنت طفلة، وإن كنت تستثنيني دائماً –من بين الأطفال- في شرب القهوة بسبب صوت بكائي المزعج، كانت هداياك تلك تشعرنا بقيمتنا، بكيف صرنا في عينيك، فالبيض والحليب للأطفال حتى يكبروا هكذا تعلمت منذ أن درست في مدرسة بلال،والألعاب والحلوى منذ أن انتقلت لمدرسة أخرى وبدأت أدرس حروفاً أكبر، كنت تخبرينا أن الحلوى ليست مجرد هدية للتشجيع، وإنما تساعدنا أيضاً على الحفظ ،وكنت أحفظ نصائحك كآيات، وأعتقد موقنة بأن البيض الذي كنت أشربه في المرض هو العلاج الحقيقي وليست تلك الإبر الكثير والحبوب الملونة...
شعرت أني كبرت حقاً عندما أهديتي لي فستاناً يشبه قامة أمي، عرفت عنها أني كبرت كثيراً، بحيث صرتي تريني هي، وكبرت أنت ولم نكن نهديك إلا ابتساماتنا التي تكبر أكثر فأكثر، كانت هداياك الجميلة تعمينا عن حقيقة مؤلمة، تلك الحقيقة أشد ألماً من ذلك اليوم الذي منعنا فيه من اللعب في الجبل، يومها سألتك باستنكار: لماذا؟
ولم تجب أمي، وتوليت أنت المهمة، وكدت أنسى كل الهدايا ولا أذكر إلا الجبل والطين، أخبرتني أني صرت كبيرة، وأن ظلي كظلك كظل أمي، لا يصح أن يمارس لهو الطين، فكما أحب الهدايا أن تناسبني يجب أن أتقبل أن الألعاب الجديدة التي سألعبها في الحياة، ....أشكرك غاليتي أنك قدمتها بطريقتك الجميلة، لأن المجتمع كاد يقدمها لي كالأخريات بطريقة لا يصح تخزينها في الذاكرة...
بمرور الوقت، صار بإمكاني أن أجلس إلى جوارك وأشرب القهوة معك، وأحمل تلك العصا المخيفة، لم يكن ملمسها مخيفاً كما زعم أحد أطفال العائلة، ولم تكن تتحرك بالليل كما كنت أتخيل، ولم تكن تخبرك بأسرارنا كما كانت  تقولين لنا في زمن الطفولة، لقد كانت مجرد عصا جميلة رسمت في الذاكرة صوراً لن نمل من تأملها..
.......................
سأخبرك بأسراري كلها الليلة،قد لا تسمعيها بمفهومنا السطحي، ولكنك ستسمعيها بطريقة ما،ربما بطريقة العصا السحرية التي تخبرك الأسرار، وربما بمجرد النبض الذي أحمله ولا تحملينه ولكنك كنت تحسنين الإنصات إليه، أو ربما بمجرد التفكير....لقد كنت بارعة في ذلك، وكنت أخاف أحياناً من طريقتك في التفكير وتساؤلاتك الكثيرة حول تلك الملامح الصغيرة التي تبعثرت في الحياة بعد أن كبرت ولم تعد تتذكرك أو حلواك إلا في المناسبات، وتهمسين: الدنيا مشاغل...الله يعين الجميع.
جدتي
لم يعد للقهوة مذاق.... ؟
ولم يعد للوقت قيمة....؟
ولم يعد أحداً  ليسمع نكاتي السخيفة؟
ولم يعد أحد يهمس في أذني:  وين رحتي!....خليها على الله يا بنتي...
لم يعد صوتك الجهوري -الذي صار نحيلاً كوجه هذا الزمان- قادراً على أن يبعث الروح في تلك العصا الساكنة فوق سريرك، لم يتعلم أطفال هذا الزمان دروس الحب والصرامة من عينيك، لقد صاروا يرون العصا مجرد عصا كما يعلمونهم في المدارس، حتى البيض والحلوى صار مجرد سلع على سفرة الطعام أو في الدكان!
ولم تعودي أنت يا جدتي في نظرهم كما كنت، أما في نظري، فمتأكدة من أنك تحفظين ملامحنا الجامدة أكثر من صوتك المتألم، وتبتسمين لكل الوجوه دون استثناء لتخبرينا أنك بخير، ونبتسم بطريقة سامجة لأننا قرأنا تقرير الطبيب الذي يفيد بأنه ليس كل بشر يتقن الحب؟
فما معنى أن تبتسم وأنت تدرك أن الموت رابض فوق رأسك! معناه فرار من الواقع!! أم معناه بالطريقة المحلية (مغالطة)!!
معناه بالنسبة لي ولك(حب) فالموت كما كنت تخبرينا لن يأتي إلا بوقته، ولذا لاضير من توزيع ابتسامة أخيرة هنا وهناك لترسم ابتسامات أجمل في الفترة التي قد لا تكوني موجودة لتزرعيها....
............................
صوت المحاضرة يعلو، وأخرى تهمس لي(عظم الله أجركم) ويزورني وجهك بردائه الأبيض وابتسامته الأخيرة،و رائحة الموت التي تسكن المكان كما تقول ابنة خالتي  تقتحم علي صبري، أحاول أن أقلدك كما كنت أفعل في شرب القهوة، ولكن ثمة فرق كبير بين أن تقلد في شرب قهوة وبين أن تموت ألف مرة،أنظر إلى زاويتك المفرغة إلا من رائحة الحب التي تسكن الذاكرة، الوجوه الجامدة والباكية على حد سواء، وصوتك في زمن ماء(يا ابنتي ...لن نخرج إلا برداء أبيض) ما أجملها عندما نطقتها وما أشد ألمها عندما ارتديتها، لم تخبريني يا جدتي أن الحروف قد تقتلنا إذا ارتديناها، فمكانها فقط في الألفاظ وليس في الجسد....كنت أمية، وكنت حمقاء، وكلانا أحبت الحرف، فشغلت أنا به، وشغفت أنت به...فشغف بك!
.........
لن أبكي
لأنك قلت أن كل النساء(أم) والفقد سنة في الحياة، فهل تغني الدموع شيئاً إذا كان هذا الفقد فلذات أكبادنا....كيف يا جدتي إذا كان الفقد هو كبدنا ذاته!!!

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012


عبيد بصيغة محترمة



سامحيني يا أمي على أمنياتي الغبية....
كنت تقرأين في عيني الصغيرة فرحاً وأنا أحمل حقيبتك الجامعية، فتهمسين لي بشرود: إنها ليست بتلك الروعة...
العبي يا طفلتي، فموعد الحقيبة سيأتي ...سيأتي
سامحيني يا أمي يوم استعجلت فتح جديلتي من أجل أن أشعر أني صرت امرأة...
يومها مررت يديك في تلك التعرجات وهمست: ستشتاقين لعصر الجديلة، فاستمتعي بهما أكثر...
سامحيني ...لأني ركنت همساتك جانباً ولم أركز إلا على ملامحك المجهدة..، كنت أشعر أنك عظيمة بقدر تلك الابتسامة المتعبة من هموم الحياة، واعتقدت جازمة أن حقيبتك هي السر وراء تلك العظمة التي تحفك بجمال بديع...
اليوم...
ها أنا أحمل الحقيبة
وأسير بخطوات رتيبة إلى ملامح مقفرة
تشبه يا أمي شهود المقابر بصبغات جديدة، وهل تعيد الألوان الروح للوجوه الميتة!
تشبه لون حزني على جديلتي التي تركتها في زمن همساتك الشفيفة..
وتشبه الفراغات الكبيرة في ذاكرتي، التي لم أعد أستطيع أن أملأها باللعب، لأني صرت امرأة تحمل حقيبة...
نسيت أن أخبرك يا أمي، لم أعد فتاتك الجميلة التي تحبين بسمتها، ولم أعد نسخة من عينيك المجهدة التي لطالما اشتقت أن أحملهما في ملامحي، لقد صرت شبحاً بألوان جديدة!
هنا يا أمي...
سرقوا مني حتى الأحلام....
وحروفي الجميلة....صادروها
وتفكيري النقي لوثوه
الحسد هنا لغة رسمية، والحقد نظرات مألوفة حتى لو لم تفعل شيء!
واللامبالاة طريقة فاعلة لتفريغنا تماماً من إنسانيتنا..!!
تخيلي..
أن أحلامي صارت بحجم..(حبة البازلياء)!
في الواقع...لم أعد أحلم!
ألم أخبرك أنهم جعلوا مني نسخة مشوهة لكل شيء كنت أحمله..
أحاول أن أتغلب على أحداقهم الغامقة، ولكن.....
حقيبتي فارغة، وتهمس لي بفحيح...نريد أن نعيش!
....
مؤلم يا أمي ....أن نفقد ذواتنا في سطور الآخرين
أن تتوه ملامحنا في ابتساماتهم الساذجة...
أن نكتشف أننا صرنا نسخاً قميئة مثلهم!
في لحظات كهذه...أتمنى أن أسكن شاهد قبر على أن أكون ما يريدون..
فهل أمنيتي هذه يا أمي أيضاً مخيفة!!
لقد صرت أخاف حتى من الأحلام...صرت أخاف من التفكير..
وصارت الكرة الأرضية كلها حقيبة لا تكف عن التهام الأحلام من أجل حفنة من المال!
لماذا لم تخبريني ...أن العيون المجهدة تعني موت مبكر!
ولماذا لم تخبريني أن الشعر المتعرج يعني أنثى فقدت جمالها لضيق الوقت!
ولماذا لم تخبرني.....أن لعبة الحياة أخطر من لعبة الاستغماية، وأعنف من ارتطام كرة قوية في وجه المرء، وأشد ألماً من فقدان دمية في الحي ثم إيجادها بدون رأس؟!