حارة الضبوعة
الوقت يتعلق بين عقربي الساعة وهو يرى آخر وجود له في حياتك اللحظة
أتساءل: بأي كف التهم الموت نداك؟
هل كانت أنفاسك الأخيرة....بدفء قلبك أم ببرودة الفقد
لا أدري
ولا أريد أن أدري
اسأل فقط لأمارس هوايتك الجميلة في طرح الأسئلة، وأنت تطلين علينا من شرفتك المليئة بالستائر حتى لا يرى ظلك أحد
تسألني: هل عاد؟
هل ثوبه نظيف؟
هل هو جائع؟
هل يريد شيئاً.......
أكره المرأة عندما لا تكون إلا أنثى
ولكنك يا (أنت) لم تكوني مجرد أنثى، وإن كانت حروفك معظمها لا تخرج عن طور
ذلك المخلوق الضعيف
أتعجب، كيف لم تبك وقد دفنت نصف أطفالك في مقابر مختلفة!
كانت أمي تهمس كما أحداقك همست لي: لأني أم.
وهل تعبر الدموع عن الفقد!
صحيح....
سؤال ساذج، ولكن النساء قاطبة يمارسن تلك الطقوس في حضرة أي فقد، فكيف إذا
كن أمهات...والفقد هو موسم حصاد لأطفالهن!
أتعجب وحسب!
صوتك الجهوري لم يكن جزءاً من الذاكرة وحسب، وإنما من الحاضر والمستقبل،
فأنت لست مجرد أم كما قلت، أنت (جيل) من الصبر، ونهر من الحنان، وقلب من الحب...
لم تحبي أن نتحدث معك بتلك الطريقة، كنت تحبين الصرامة في كل شيء، حتى في
طريقة ضحكتنا..
وكنا دمى سمجة لا تفقه معنى حروفك الجميلة...
في السابق، أتذكر وجهك ولون الطين المتسخ على ثيابي، النظرات الحارقة التي
تقذفني بها أمي، وعصاك الطويلة التي تقف بشموخ أمام عيني لأرتجف...ثم يأتي صوتك
الجهوري(العصا خرج مع أبونا آدم من الجنة) ولازالت أختي الصغيرة ترددها إلى اللحظة
بطريقتها المحببة، ثم ننتظر العصا ومصيرها المشؤم فوق أكفنا، ولكنها تهجع إلى
جوارك غاضبة، وأنت تضربينا بتهديدك وحسب، كنت أقرأ حباً جماً لنا في عينيك، وصرامة
كبيرة سرعان ما تتسرب بعد أن نبدأ اللعب أمام ناظريك..
لا أتذكر أنك قد تجاوزت حد التهديد بعصاك الطويلة تلك، ثم سرعان ما تصنعي لنا
الخبز والبيض والحليب، وتعطينا ربع الريال لمن سيأكل أكثر حتى نكبر أسرع..
سؤال نسيت أن أسألك إياه في زمن البشر: لماذا لم تملي قط من نظراتك الحنونة
تلك، لم نكن خمسة، أو عشرة ، أو عشرين....كنا أكثر بكثير، وكانت أحداقك تخبرنا
بلغتها الشفيفة أن لكل واحد منا حق عندك، لن تبخلي به، اعتدت في أزمان أخرى أن
أنتظر هداياك الجميلة، خشيت في أحد الأصياف أن تعطيني بيضاً وحليباً كما كنت طفلة،
وإن كنت تستثنيني دائماً –من بين الأطفال- في شرب القهوة بسبب صوت بكائي المزعج،
كانت هداياك تلك تشعرنا بقيمتنا، بكيف صرنا في عينيك، فالبيض والحليب للأطفال حتى
يكبروا هكذا تعلمت منذ أن درست في مدرسة بلال،والألعاب والحلوى منذ أن انتقلت
لمدرسة أخرى وبدأت أدرس حروفاً أكبر، كنت تخبرينا أن الحلوى ليست مجرد هدية
للتشجيع، وإنما تساعدنا أيضاً على الحفظ ،وكنت أحفظ نصائحك كآيات، وأعتقد موقنة
بأن البيض الذي كنت أشربه في المرض هو العلاج الحقيقي وليست تلك الإبر الكثير
والحبوب الملونة...
شعرت أني كبرت حقاً عندما أهديتي لي فستاناً يشبه قامة أمي، عرفت عنها أني
كبرت كثيراً، بحيث صرتي تريني هي، وكبرت أنت ولم نكن نهديك إلا ابتساماتنا التي
تكبر أكثر فأكثر، كانت هداياك الجميلة تعمينا عن حقيقة مؤلمة، تلك الحقيقة أشد
ألماً من ذلك اليوم الذي منعنا فيه من اللعب في الجبل، يومها سألتك باستنكار:
لماذا؟
ولم تجب أمي، وتوليت أنت المهمة، وكدت أنسى كل الهدايا ولا أذكر إلا الجبل
والطين، أخبرتني أني صرت كبيرة، وأن ظلي كظلك كظل أمي، لا يصح أن يمارس لهو الطين،
فكما أحب الهدايا أن تناسبني يجب أن أتقبل أن الألعاب الجديدة التي سألعبها في
الحياة، ....أشكرك غاليتي أنك قدمتها بطريقتك الجميلة، لأن المجتمع كاد يقدمها لي
كالأخريات بطريقة لا يصح تخزينها في الذاكرة...
بمرور الوقت، صار بإمكاني أن أجلس إلى جوارك وأشرب القهوة معك، وأحمل تلك
العصا المخيفة، لم يكن ملمسها مخيفاً كما زعم أحد أطفال العائلة، ولم تكن تتحرك
بالليل كما كنت أتخيل، ولم تكن تخبرك بأسرارنا كما كانت تقولين لنا في زمن الطفولة، لقد كانت مجرد عصا
جميلة رسمت في الذاكرة صوراً لن نمل من تأملها..
.......................
سأخبرك بأسراري كلها الليلة،قد لا تسمعيها بمفهومنا السطحي، ولكنك ستسمعيها
بطريقة ما،ربما بطريقة العصا السحرية التي تخبرك الأسرار، وربما بمجرد النبض الذي
أحمله ولا تحملينه ولكنك كنت تحسنين الإنصات إليه، أو ربما بمجرد التفكير....لقد
كنت بارعة في ذلك، وكنت أخاف أحياناً من طريقتك في التفكير وتساؤلاتك الكثيرة حول
تلك الملامح الصغيرة التي تبعثرت في الحياة بعد أن كبرت ولم تعد تتذكرك أو حلواك
إلا في المناسبات، وتهمسين: الدنيا مشاغل...الله يعين الجميع.
جدتي
لم يعد للقهوة مذاق.... ؟
ولم يعد للوقت قيمة....؟
ولم يعد أحداً ليسمع نكاتي
السخيفة؟
ولم يعد أحد يهمس في أذني: وين
رحتي!....خليها على الله يا بنتي...
لم يعد صوتك الجهوري -الذي صار نحيلاً كوجه هذا الزمان- قادراً على أن يبعث
الروح في تلك العصا الساكنة فوق سريرك، لم يتعلم أطفال هذا الزمان دروس الحب
والصرامة من عينيك، لقد صاروا يرون العصا مجرد عصا كما يعلمونهم في المدارس، حتى
البيض والحلوى صار مجرد سلع على سفرة الطعام أو في الدكان!
ولم تعودي أنت يا جدتي في نظرهم كما كنت، أما في نظري، فمتأكدة من أنك
تحفظين ملامحنا الجامدة أكثر من صوتك المتألم، وتبتسمين لكل الوجوه دون استثناء
لتخبرينا أنك بخير، ونبتسم بطريقة سامجة لأننا قرأنا تقرير الطبيب الذي يفيد بأنه
ليس كل بشر يتقن الحب؟
فما معنى أن تبتسم وأنت تدرك أن الموت رابض فوق رأسك! معناه فرار من
الواقع!! أم معناه بالطريقة المحلية (مغالطة)!!
معناه بالنسبة لي ولك(حب) فالموت كما كنت تخبرينا لن يأتي إلا بوقته، ولذا
لاضير من توزيع ابتسامة أخيرة هنا وهناك لترسم ابتسامات أجمل في الفترة التي قد لا
تكوني موجودة لتزرعيها....
............................
صوت المحاضرة يعلو، وأخرى تهمس لي(عظم الله أجركم) ويزورني وجهك بردائه
الأبيض وابتسامته الأخيرة،و رائحة الموت التي تسكن المكان كما تقول ابنة خالتي تقتحم علي صبري، أحاول أن أقلدك كما كنت أفعل
في شرب القهوة، ولكن ثمة فرق كبير بين أن تقلد في شرب قهوة وبين أن تموت ألف مرة،أنظر
إلى زاويتك المفرغة إلا من رائحة الحب التي تسكن الذاكرة، الوجوه الجامدة والباكية
على حد سواء، وصوتك في زمن ماء(يا ابنتي ...لن نخرج إلا برداء أبيض) ما أجملها
عندما نطقتها وما أشد ألمها عندما ارتديتها، لم تخبريني يا جدتي أن الحروف قد
تقتلنا إذا ارتديناها، فمكانها فقط في الألفاظ وليس في الجسد....كنت أمية، وكنت
حمقاء، وكلانا أحبت الحرف، فشغلت أنا به، وشغفت أنت به...فشغف بك!
.........
لن أبكي
لأنك قلت أن كل النساء(أم) والفقد سنة في الحياة، فهل تغني الدموع شيئاً
إذا كان هذا الفقد فلذات أكبادنا....كيف يا جدتي إذا كان الفقد هو كبدنا ذاته!!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق