عبيد بصيغة محترمة
سامحيني يا أمي على أمنياتي الغبية....
كنت تقرأين في عيني الصغيرة فرحاً وأنا أحمل حقيبتك الجامعية، فتهمسين لي
بشرود: إنها ليست بتلك الروعة...
العبي يا طفلتي، فموعد الحقيبة سيأتي ...سيأتي
سامحيني يا أمي يوم استعجلت فتح جديلتي من أجل أن أشعر أني صرت امرأة...
يومها مررت يديك في تلك التعرجات وهمست: ستشتاقين لعصر الجديلة، فاستمتعي
بهما أكثر...
سامحيني ...لأني ركنت همساتك جانباً ولم أركز إلا على ملامحك المجهدة..،
كنت أشعر أنك عظيمة بقدر تلك الابتسامة المتعبة من هموم الحياة، واعتقدت جازمة أن
حقيبتك هي السر وراء تلك العظمة التي تحفك بجمال بديع...
اليوم...
ها أنا أحمل الحقيبة
وأسير بخطوات رتيبة إلى ملامح مقفرة
تشبه يا أمي شهود المقابر بصبغات جديدة، وهل تعيد الألوان الروح للوجوه
الميتة!
تشبه لون حزني على جديلتي التي تركتها في زمن همساتك الشفيفة..
وتشبه الفراغات الكبيرة في ذاكرتي، التي لم أعد أستطيع أن أملأها باللعب،
لأني صرت امرأة تحمل حقيبة...
نسيت أن أخبرك يا أمي، لم أعد فتاتك الجميلة التي تحبين بسمتها، ولم أعد
نسخة من عينيك المجهدة التي لطالما اشتقت أن أحملهما في ملامحي، لقد صرت شبحاً
بألوان جديدة!
هنا يا أمي...
سرقوا مني حتى الأحلام....
وحروفي الجميلة....صادروها
وتفكيري النقي لوثوه
الحسد هنا لغة رسمية، والحقد نظرات مألوفة حتى لو لم تفعل شيء!
واللامبالاة طريقة فاعلة لتفريغنا تماماً من إنسانيتنا..!!
تخيلي..
أن أحلامي صارت بحجم..(حبة البازلياء)!
في الواقع...لم أعد أحلم!
ألم أخبرك أنهم جعلوا مني نسخة مشوهة لكل شيء كنت أحمله..
أحاول أن أتغلب على أحداقهم الغامقة، ولكن.....
حقيبتي فارغة، وتهمس لي بفحيح...نريد أن نعيش!
....
مؤلم يا أمي ....أن نفقد ذواتنا في سطور الآخرين
أن تتوه ملامحنا في ابتساماتهم الساذجة...
أن نكتشف أننا صرنا نسخاً قميئة مثلهم!
في لحظات كهذه...أتمنى أن أسكن شاهد قبر على أن أكون ما يريدون..
فهل أمنيتي هذه يا أمي أيضاً مخيفة!!
لقد صرت أخاف حتى من الأحلام...صرت أخاف من التفكير..
وصارت الكرة الأرضية كلها حقيبة لا تكف عن التهام الأحلام من أجل حفنة من
المال!
لماذا لم تخبريني ...أن العيون المجهدة تعني موت مبكر!
ولماذا لم تخبريني أن الشعر المتعرج يعني أنثى فقدت جمالها لضيق الوقت!
ولماذا لم تخبرني.....أن لعبة الحياة أخطر من لعبة الاستغماية، وأعنف من
ارتطام كرة قوية في وجه المرء، وأشد ألماً من فقدان دمية في الحي ثم إيجادها بدون
رأس؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق