من عنوان الكتاب نستشف مضمونه السخي، فالشباب في كنههم ثورة، ثورة في
الحياة، وثورة في الطموح، وثورة في التغيير، لأنهم طاقات تحب الحركة والبناء،
وتوفيق الحكيم في كتابه هذا يناقش الكثير من الأمور المتعلقة بالشباب ، ويلفت
أنظار الكبار لحقيقة دورهم تجاه هؤلاء الشباب الذين هم ثمار الغد والقائمين عليه.
يقع الكتاب في 20 فصل عناوينه الأولى مترابطة في مواضيعها ومناقشاتها، أما
العناوين الأخرى فجاءت تحمل عناوين غير مرابطة بالعناوين السابقة لتناقش أفكار
وقضايا جديدة يواجهها الشباب، ففي الفصول الأولى ارتبطت العناوين بكلمة الأجيال
التي تشير إلى الشباب وحقيقة وجودهم وامتدادهم للمجتمعات التي لا تفهمهم أو لا
تسعى لاحتوائهم، وكأني بالكاتب يريد أن يشير لنا غلى حقيقة أن الشباب هم الأجيال
التي يجب أن نعول عليها بدلاً من أن نواجهها أو نهملها فنخسر مستقبلنا الذي
سيكونون هم بُناته.
في الفصل الأول(حلقة الأجيال) يتحدث الكاتب عن مفهوم الثورة والهوجة والفرق
بينهما، ويوضح سبب استجابة الشباب مبكراً لنداءات التغيير في أي مجتمع، كما يتطرق
إلى قضية الجوهر والمظهر التي تعد مشكلة عصية تحول بين تفاهم الأبناء والآباء،
ويركز على أهمية تنمية الجوهر في الشباب وترك المظهر الذي سيعتدل وفق الظروف التي
تهيأ للشباب، كما أنها غالباً ما ترتبط بالمراحل العمرية التي يمر بها الشباب، كما
يركز الكاتب على لفت الأنظار نحو قاعدة(تسلسل الأجيال) وأن أي جيل هو وليد لنتاج
الجيل الذي يسبقه فيجب أن نهتم بالواقع الذي نعيشه من أجل الأجيال الشابة التي
ستأتي وستكون امتدادات إيجابية أو سلبية كما نهيئ لها الوضع مسبقاً، ويتطرق الكاتب
لقضية مهمة في هذا السياق وهي الاهتمام بقضايا الفكر وتشجيع الموهوبين، فالفكر هو
الذي يحي ضمير الأمة، والموهوبين هم اللبنة الحقيقية التي تهدي وتوجه الشعوب
لمجدها، ويبحر في مفهوم الإبداع، حيث نرى أن الإبداع شيء متحرك من وجهة نظر الكاتب
، فليس بالضرورة أن يسير الإبداع على رتم أو نمط واحد، بل أنه يتغير ويتنوع ويتجدد
بناءاً على الواقع المعاش وقدرة المبدعين على استجلابه بشكل يبني أممهم، ويختم
الكاتب هذا الفصل بنصيحة يهديها للكبار حتى يستوعبوا الشباب، وذلك بأن ينظروا لهذه
الأجيال الشابة كجيل مكمل للبناء، فالأجيال السابقة ستصل إلى مرحلة ما من البناء
ثم ستقف بفعل الزمن والظروف ليأتي الجيل الآخر ويواصل البناء، ولذا يجب أن ينظر
إليهم بهذه الطريقة.
الفصل الثاني جاء بعنوان( تبعات الأجيال) ويتحدث هذا الفصل هن أهمية
الانفتاح على الآخر بوعي، وعدم الانغلاق
السلبي على الماضي الذي نقدسه بشكل مبالغ فيه في ثقافتنا،فالانفتاح على
الآخر يساعدنا على أن ننهل من علومه ونحقق الرسالة السماوية التي جاء بها ديننا،
بينما الانغلاق على الماضي يقتل الإبداع والتجدد على مستوى الحضارات كافة، ويتحدث
الكاتب عن مفهوم الأدب الحبيس الذي يتقيد بلون من السرد أو بطريقة معينة من
الكتابة، أو يكتب لعرق أو هوية محددة وبهذا يحكم على نفسه بالموت المبكر، ويوضح
الكاتب الفرق بين ذلك الأدب الحبيس وبين الأدب العالمي الذي يستهدف الإنسان بكل
حرف ولذا يعيش هذا الأدب لفترات طويلة يشارك في التغيير وفي حياة الشعوب، ويتعمق
الكاتب كثيراً في معنى الحياة في الفن، فالحياة ليست الأحداث والوقائع التي نعيشها
ونريد أن نخلدها أو ننقلها بالكتابة حولها، وإنما يجب أن يتناولها الأديب على مستواها
الداخلي الذي يؤثر على تفاصيلنا الدقيقة، ولا يقصد الكاتب هنا الوجدان المجردة
أثناء الكتابة وإنما أيضاً يجب إشراك العقل وخبرات المرء الحياتية حتى ترتبط اللغة
بالحياة أكثر فأكثر وتؤتي ثمارها في وجدان القراء باختلافاتهم.
والفصل الثالث يحمل عنوان( انفصال الأجيال) يتحدث هذا الفصل باستفاضة عن
سبب العلاقة الندية التي بات يتعامل بها الشباب بسبب تطور التكنولوجيا إضافة إلى
حدوث الثورات التي عاصروها وغيرت في طابع شخصياتهم وتعاملاتهم، وجاء الفصل الرابع
بعنوان(تصادم الأجيال) ويوضح الكاتب السبب الحقيقي لحدوث التصادم بين الأجيال
الشابة والأجيال القديمة، ويوضح أن الخطأ مشترك بسبب أن الجيل الأول لم يوجه
بعناية، وبالتالي الجيل الصغير تاه عن الطريق، ويؤكد الكاتب أن الخلاف الحاصل
حالياً ليس بسبب مبدأ التطور الذي هو سنة في الحياة، وإنما بسبب التصادم والسير
بروح التحدي!
وجاء الفصل الخامس بعنوان(تجاهل الأجيال) ويتحدث هذا الفصل حول خطورة منع
الأجيال الفتية من أن تعيش تجاربها الخاصة تحت ذريعة الخوف، فمثلاً قد يحرم الآباء
أبناءهم من ممارسة هواية معينة تحت ذريعة الاطمئنان عليهم، بينما هذه الممارسة
تقيد حرياتهم، حتى القراءات التافهة التي قد يمارسها الشاب تكون مجرد مرحلة عمرية
ستغير بمرور الوقت ونضج الشاب، ولذا ليس من الصحيح أن يمنع الشاب من قراءة بعض
الكتب التي قد لا تحلوا للكبار، لأن الشاب سيعدلها فطرياً بمرور الوقت.
أما الفصل السادس فحمل عنوان( حرمان الأبناء) هذا الفصل على قصره إلا أنه
ناقش قضية جوهرية، وهي عدم حرمان الأبناء من أي شيء يطلبونه خصوصاً في مرحلة
الطفولة التي لن تعود مجدداً، والفصل السابع كان بعنوان( صنع الأجيال) وجاءت سطور
هذا الفصل فلسفية بعض الشيء إذ أنها ناقشت طموح الإنسان في قضية اختيار نوع
الأبناء بما يخالف فطرة الطبيعة، ويؤكد الكاتب من خلال سطوره أن الفطرة كفيلة بأن
تنظم الحياة، بينما تهور الإنسان في طموحاته وطمعه قد يجلبان له الدمار، والفصل
الثامن حمل عنوان(أجيال الطبيعة) ويتحدث هذا الفصل عن وجود تصادم بين الطبيعة وبين
العقل البشري، وضرب الكاتب مثلاً ليوضح
فكرته، وهو أن الإنسان المتعلم غالباً ما يميل إلى تحديد النسل، بينما في الطبيعة لا يوجد ذلك، فالنباتات على أشكالها
تنبت بشكل كبير جداً، والفصل التاسع حمل عنوان( تنوع الأجيال) يتحدث هذا الفصل على
مبدأ الاختلاف الذي فطرت عليه الحياة( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) ويوضح
الكاتب أنه حتى على مستوى الأجرام السماوية يوجد اختلاف ليخلق التكامل الذي يحتاج
إليه الكون، كذلك الآراء المختلفة تخلق أفق أوسع لأي قضية، والشعوب المختلفة تحتاج
لبعضها البعض، وجاء الفصل العاشر بعنوان( مبدأ الأجيال القادمة) هذا الفصل حمل
فكرة عميقة للغاية، والتي تدور حول تصحيح مبدأ( الغاية تبرر الوسيلة)!! ويضرب
الكاتب مثلاً في مركبة رديئة يدخلها ثلاث أصناف من البشر( المؤمنون/ وأصحاب الغرض/
والمتورطين) ويقوم أصحاب تلك المركبة بالخوض بها في طريق موحل حتى يصلون إلى
المكان بشكل أسرع، أما المؤمنون فيصمتون تحت ذريعة الغاية تبرر الوسلة، وأما أصحاب
الغرض فيقولوا نحن مع المؤمنين!! وأما المتورطين فلا يهمهم أين سيسير القوم! ويؤكد
الكاتب أنه على الأجيال الجديدة ألا تحمل ذلك المبدأ البالي بل تغيره إلى ( الغاية
النبيلة في الطريق النبيل).
الفصل الحادي عشر( شبح الأجيال) يعرض هذا الفصل فكرة اليأس التي قد تواجه
الشباب وتقتل بذرة الإبداع فيهم، ويناقشها بأسلوب سردي أقرب للقصة حتى تصل الفكرة،
أما الفصل الثاني عشر جاء بعنوان( بين جيلين) ويناقش الكاتب قضية مهمة وهي قضية
التوازن بين كثرة العرض وعمق الفكرة، حيث يؤكد الكاتب أنه ليس بالضرورة أن ينشر
الكاتب العديد من الكتب حتى يقال عنه أنه كاتب وإنما بعمق فكرته وغزارة تأثيرها
يمكن أن نعده كاتباً، وجاء الفصل الثالث عشر بعنوان( تلاقي الأجيال) ويعرض الكاتب
تجربته الشخصية في هذا الموضوع حيث يوضح كيف أنه يمكن أن تنشأ هوة كبيرة بين
الآباء و ابنائهم بسبب اختلاف الاهتمامات وطبيعة الحياة، لكن يؤكد أن على الآباء
أن يكسروا ذلك الحاجز حتى يصلوا إلى أبنائهم قبل فوات الأوان، وذلك بأن يدركوا أن
أجيال أبناءهم ليس بالضرورة أن تطابق جيلهم.
الفصل الرابع عشر(مسؤولية أدباء الشباب) يبحر الكاتب في قضية هامة يجب أن
يتنبه لها الشباب وهي عدم الانشغال بقضايا جانبية في الأدب عن القضايا الجوهرية،
فمثلاً الانشغال بقضية الفصحى أم العامية في الكتابة ليست جوهرية بقدر عمق الفكرة
والتنويع في الأساليب الكتابية التي يتبعها الكاتب، ويؤكد أنه ثمة كتاب عالميين
استخدموا العامية في كتاباتهم في بعض الحوارات ولكن بأسلوب سلس، ويوجه الكاتب
أنظارنا إلى حقيقة أن الأدب العالمي الحقيقي هو الذي يخاطب الإنسانية جمعاء وليس
فئة من الناس، لأن ذلك الأدب الضيق سينتهي بمرور الوقت، وأكد الكاتب أن مسؤولية
الكتاب الشباب أن يحافظوا على القيم في أعمالهم ولا ينساقوا وراء روح العصر التي
تميل إلى السرعة على حساب الفن.
والفصل الخامس عشر حمل عنوان( الشباب والتجديد في الشعر) وناقش هذا الفصل
إشكالية المضمون والشكل في الشعر الشبابي الذي مال أكثر إلى شعر التفعيلة وليس
الوزن، وأوضح الكاتب أن المشكلة لا تكمن في الشكل النثري للقصيدة بقدر ما هو إشكال
في الفكرة التي تحملها تلك القصائد المجتزأة، واختتم الفصل بتساؤل: لماذا لم يعد
هناك شعراء حقيقيين؟!! والفصل السادس عشر (تحذير للشعر الجديد عند الشباب) جاء هذا
الفصل استكمال للفصل السابق وتحدث عن خطورة استسهال الفن لدى بعض شرائح الشباب
خصوصاً في مجال الشعر، ونبه الكاتب إلى أن الفن هو الصعب العصي الذي يحوله الفنان
بقدراته ومواهبه الخاصة إلى سهل لذيذ للناس الآخرين، لكن أن يستسهله هو ، ما فائدة
الفن إذاً؟!!
وجاء الفصل السابع عشر( الصدق أساس التجديد عند الشباب) عرض الكاتب تجربة
مريرة لنقل بعض المصطلحات التجديدية دون الإلمام جيداً بها، ودون التصريح بمصدرها
الحقيقي ولذا وقع مروجوا تلك المصطلحات والأفكار الجديدة في شر أعمالهم بعد أن
انفضحوا بأنها ليست من بنات أفكارهم، وأكد الكاتب أنه ليس من العيب أن نستفيد من
الأفكار والنظريات الأجنبية القادمة من ثقافات أخرى فهذا يأتي في إطار التبادل
الثقافي، لكن العار أن نسرقها وننسبها إلينا ! وأشار إلى أننا بحاجة ماسة للتنظير
والإبداع في مجال الآداب ، ويتمنى على الشباب لو يحملوا هذه الراية.
وجاء الفصل الثامن عشر بعنوان(الشباب والشيطان) ابتدأ هذا الفصل بأسلوبه
السردي الذي يقارن بين قصة قديمة وحوار بين عالم وشيطان في ذاك الزمان، ثم يقارن
نفس الموقف ولكن بأسلوب تخيلي يحدث بين الكاتب وبين الشيطان، ويوضح الكاتب من
خلاله أن الشيطان دائماً ما يغوي الشباب حتى يمتص رحيق فتوتهم ثم يتركهم للشيخوخة
والعجز، وحمل الفصل التاسع عشر عنوان( البعث على يد الشباب) وهذا الفصل مكمل لفكرة
الفصل السابق ، وهو أن الشباب يستطيعون أن يقوموا بالعديد من الأشياء حتى تلك التي
تدخل في إطار المستحيل، ويؤكد الكاتب في سطوره أن الشباب هم الذين يُحييون الوطن
مهما مرت به سنيين من الركود.
ويختتم الكتاب بالفصل العشرين الذي حمل عنوان( قضية القرن الواحد والعشرين)
وهي قضية السلام الذي يبحث عنه الجميع، ويبدأ الفصل بقصة رمزية تحدث مع الكاتب
نفسه ثم يسافر إلى الولايات المتحدة وتدور هنالك قضية مثيرة توضح الكثير من
المعلومات الغائبة عن الأذهان، وذلك عبر الحوارات التي تدور بين القاضي والأربعة
المتهمين بمحاولة تفجير تمثال الحرية ، يناقش هذا الفصل حقيقة الحرية التي تفتعلها
الولايات المتحدة ، وكيف تخلق حروب لتسير نشاطاتها الاقتصادية على حساب الشعوب
ويضرب مثلاً بذلك حروب فيتنام، ويتحدث الفصل عن قضايا تناقض المجتمع وكيف تؤثر على
الشباب، وفكرة الثورات السلمية وكيف يمكن
أن تخلق تغيراً حقيقياً، لكن يجب عليها أولاً أن تهدم القيم البالية في المجتمع وتنبني بدلاً عنها
قيم حقيقية، وأثناء حوارات الشباب مع
القاضي يتطرق الكاتب عبر تلك الحوارات إلى فكرة ضرورة مناقشة المسلمات، وما هي
أساليب لفت نظر المجتمع إلى المشاكل التي يعاني منها بأسلوب ابتكاري حتى يتقبلها،
ويوضح أن الوثنية القديمة هي تقديس الأحجار
أما الوثنية الجديدة هي تقديس الأفكار!!
ويوضح الكاتب من خلال تلك القصة الرمزية ضرورة إعطاء فرصة للشباب من أجل أن
يجرب ويكتشف، وأن معظم مشاكلنا تنشأ من ضياعنا في عالم الألفاظ الذي غالباً ما
يتأثر بالمسلمات لدى المجتمع والتي ليس بالضرورة أن تكون صحيحة.
الكتاب ككل رائع، ويثري فكر الباحث
عن فكرة، ويثري الأديب الباحث عن أسلوب، ويثري رصيد المصلح الذي ينقب عن أسلوب
ليوصل به أفكاره إلى من يريد بأسلوب أجدى، عندما انتهيت من قراءة الكتاب، شعرت أني
ممتنة كثيراً لتوفيق الحكيم الذي ساعدتني على الحصول على الكثير من الإجابات
لتساؤلاتي الكثيرة، وتمنيت لو أنه يعيش بيننا اللحظة فيثرينا أكث من كنوزه اللفظية
والفكرية والأدبية والإبداعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق