الأحد، 19 فبراير 2012

القربان الأخير

عندما يغادر قامة النهار ويأفل في حجب تفكيره،تستطيع أن تقرأ عبوسه كنوع من ترف الحزن...تهدهد  رياح النافذة دمعة تتجذر في خده الأيسر ويرفض أن يعترف بها،وتجبره نهدةُ تنطلف بحرارة من أعماق قلبه على الإعتراف بأنها جزء منه.
ترى لماذ صار هكذا مجرد تمثال  يتقن نفث الدخان في رحم حيرته!هو لا يحب أي  امرآة تأتي  من الظل أو من خلف الباب ،حتى لو تطابقت مع خيالاته ،لأنه ببساطة أصبح شيئاً يجهله.
يقرأ ندبة في كفه ،فتخرج زغرودة من  جوف أمه وهي تبارك رصاصته الغادرة،وهل يصنع الرجال الموت إلا من أجل التاريخ،ذلك التاريخ الذي سيقص للأحفاد أن جدهم كان بطلاً لأنه خذل التوقعات وأخذ بثأر والده،لكن متى سيصنع الأحفاد!!وأي أحفاد أولئك الذين سقرأون  تاريخه ويكتبون بالعريض بطل اتسم بالغدر من أجل شرف ضائع...
يتذكر حجرته المظلمة في تلك الليلة الباردة،وكيف صار الجميع -فجأة - أحبة له عندما قرر أن يصبح مجرماً من أجلهم،فليس من حق أحد غيره أن يقدم على فعلته لأنه هو الوحيد المستحق لهذا الشرف،أن يثأر يعني أن يصير رجلاً في القبيلة،أن يكسر خوفه هي الشجاعة بعينها،أن يقرأ ذعر فريسته هو الإستئساد بعينه،كل ذلك كان يردده في الظلام ليشحذ عزيمته المبتورة خلف ارتجافاته،هو الذي لم يكمل الثامنة عشر بعد سيصبح رجلاً في زمن القيض،هو الذي لم يجرؤ أن يخبر زينب أنه رأها في حلم ليلتة الأخيرة مزدانه كأنها عروسه،هو الذي لم يجروء أن يقول للقبيلة كفى،فأنا لا أريد أن أكون القتيل القادم،هو الذي لم يكف  أعمامه من وصمه بالجبن منذ أن صرح بضجره من الدم الذي لا تكف القرية عن شربه،وهو الذي يقف اللحظة بين دموع لاتنتني للخوف ولا لندم،ولا للحسرة....إنها دموع سخيفة لا تكف عن الفرار من محاجره بعد أن ضاقت بألمه.
ليس بالضرورة أن نسارع الزمن ونلقي أمنياتنا الغبية في لياليه، لم يفعل ذلك غلا في صيف  تعيس أفقده أعز ما يملك،لقد تمنى أن يصبح رجلاً،وأخبرته القبيلة بانه سيصبح الرجل الذي يريد إذا ما تخلى عن  ضجره وذعره من الدم،وصار هو القربان القادم من أجل الشرف المنسحق في لحظات الذهول،واصبح رجلاً يفقد معناه ،ولا يقرأ إلا توجساً خلف قضبان السجون،يتذكر حريته التي وأدها بملء إرادته من اجل شيء كان يملكه في الأساس،وفي موعد الجلسة القادمة تطلق أمه زغرودة أخرى لاقتراب إعدامه،فهو الرجل الذي ستتفاخر به أمام نساء القرية كلها،وستباهي المقابر بأن ابنها هو الأطرى تربةً،ومن يدري لعله يدفن إلى جوار ذلك الذي منحه اللقب!!
اللحظة لا الحب ولا الشجاعة...ولا زغرودة أمه ،ولا شيء يمكنه ان يعيده إلى نقطة البداية،لأن القاضي قد قرأ الحكم،الحكم الذي سيصحق  لقبه ،ويسحق أمنياته المتعثرة،ولكن كما يقول عمه الكبير سيكتب على شاهد قبره هنا يرقد الرجل.....
رجل الظل في ذاكرة نسوة القبيلة،وقصص لأحفادهم سيحشروها في نفوسهم ليكبروا  ويصيروا مثل  بطل تلك القصة ،وشاهد كبير يرقد أسفله جسدي النحيل ،يتمنى ان يكون  رجل الثأر الأخير،يتمنى أن يكون آخر قربان تقدمه القبيلة لألهة الغرور،أو آلهة الشهامة،فليسموها كما شاءوا فأنا لا أؤمن إلا  بقدري الذي سأواجهه اللحظة.
أمام أحداق السماء تتعثر خطواته  المهملة،يتأمل شخوص القبيلة،ويقرأ فخرها الممجوج في عينيه،ويسمع زغرودة ً لعلها لأمه، ويبتسم لقاتله برجاء أن يجعله آخر فدية من أجل ثأر قديم...ثم ينظر للأرض ويهمس لها  بأن تكف عن العبث ،أن  توقف نهمها  للجسد الذي يختفي دون ذنب في طياتها،ثم يصبوا إلى السماء....ويبكي بحرقة لنقائها،يمسح دمعاته التي أجفلت العمائم الكبيرة وأغضبتهم،ثم يتنهد بارتياح وهو يقرأ كف السماء وهي تمد يده لتحضنه بعيداً عن الشتائم التي تنفثها الأفواه قبالته دون حياء في مشهد موته.
 ينتهي به المطاف بعينين نصف مفتوحتين وجسدٍ ساكن،لكنه يستطيع أن يقرأ المشهد كله ،دموع  خبأتها النسوة منذ دخل السجن بملء إرادته  يذرفنها دون خوف،ورجال يتأملون ملامح الدهشة المرتسمة فوق أعين الصغار الذين سيعرفون لماذا مات البطل بهذه الطريقة،ولماذا قرر فجأة -رغم الأحداق التي تملاً صورته بالخدوش-أن يصبح القربان الأخير!وسيدركون أن الموت بشرف ليس أن تقتل أحداً وإنما أن تقرر رغم خوفك أن تصبح أنت القتيل ،أن تواجه الاستغراب بابتسامة ساكنة لتمتص دهشته..
سيتعلمون أن القرابين  لا تاتي فقط في عيد الأضحى وإنما قد تكون يوم الجمعة إن قرر شخصما ان يكون هو النقطة الأخيرة لقصة مؤلمة.

إلهام الحدابي.19/2/2012

الجمعة، 20 يناير 2012

ألم

أقراء في جسد اللحظة تكسر ملامحي،أحاول أن ألهو بعيداً عما يؤلمني،أيمم وجهي شطر كتاب ما،لا أقراء فيه سوى تفاصيل ألمي،أبتعد إلى زاوية الحجرة وأرتشف التلفاز،أبعثر نظراتي في الابتسامات والألوان،في الهلع ..في  الحركة والسكون،كل تلك الضوضاء تصدر من صدر ذلك الصندوق الممطوط،وعلى الرغم من لهوي وفراري من ألمي إلا أنه ما زال يتجدد كل لحظة،أحاول التغلب على ذلك الألم بانتعال ابتسامة،ولكنها تخرج مشوهة...فنصفها مصبوغ بالألم،أبحث عن خارطة أخرى أدفن فيها ذلك الألم البغيض...أبدأ بتأمل السماء...لكن ألمي يرتسم فوق سحبها،أغلق النافذة وأهرع إلى النوم،لكن ألمي يأتيني في أحلام اليقظة،أضغط على ألمي عله يهدأ،ولكنه لا يكف عن الصراخ،..وأتذكر أن ألماً ما سيكون ثمناً لتخلصي من ألمي.
طبيب الأسنان ذو السنحة الهادئة..يعرف كيف يجبرني على البكاء،كان هذا هو أحد دروس الطفولة،والذ ظل عالقاً فيّ حتى اللحظة،أبدأ بدفن الطعام خلف عيناي لانه هو المتهم الأول والأخير في قصة ألمي...
وبعد ليال من الأرق والألم قادتني خطواتي صوب أحدهم...قشعريرة سرت في كل مفاصيلي،تصلبت لبرهة  عندما أشار لي الطبيب بأن أصعد فوق ذلك الكرسي،مازال الألم رابضاً في رأسي،أمتد باستسلام أمام تلك الأدوات الحادة،وتراودني معالم ألم في الطفولة ...لا أتذكر تفاصيله..أكان ضرساً أم مجرد سن!!وكل ما يراودني اللحظة دمعة يجب ألا تفلت مني ،لأني قد صرت كبيراً..
لم يطل الوقت كثيراً ،مجرد وخزة صغيرة لم تجبر  دموعي على الانحدار.....
واختفى الألم تماماً.
إلهام الحدابي

السبت، 10 ديسمبر 2011

..............وها هو جاء...............


سيأتي المكان...
سيأتي الزمان...
وتأتي سنابل قاماتنا
ويأتي الربيع...
ويأتي الضحى بابتساماتنا
ويأتي..ويأتي...ويأتي...
فضاء جميل لأحلامنا ...
زهور..وروض...غناء وحب..
جمال وطيب.......
نوافذنا نصفها باسم لذاك الربيع...
ربيع العرب..
ربيع سنابله من دماء
وأحلامنا.... لافتات شوارع
وأحداقنا فرجة للسماء..
ربيع بوجه الخريف تلظى
وكنا نردد في كل واد..
سيأتي..ويأتي...
وهاهو جاء.
ربيع بلون الشتاء..
بياضه قارس للأنامل
ولكن ذاك البياض نقاء
بياض ببسمة طفل جريح
شهيد....
وأم تودع فلذتها في كبد الرجاء..
وهاهو جاء.
ربيع وقيض الرصاص يلوح دون حياء
يوزع في جنبات الليالي ...صراخ..بكاء
وسحب تغرد آلامها..في الوجوه
لتقرضها الشمس بعض حلتها المرمرية
كل صباح ...وكل انتهاء

على رسلك يا صيف الانتظار
فبذرة أحلامنا لن تموت
ففي باطن اللحظات كف تجود
ببيت..بإبن...بدم..بروح..
وهاهو جاء...
ربيع يؤطر افواهنا بالذهول
لنبذ صمتاً يطول..يطول..
ربيع لفجر يقول لنا:
ربيع الرياح سخي كريم..
ربيع الحياة بديع ..جميل..
ربيع الوطن..
أنهاره من رؤوس ...
وأجواؤه حمرة قانية...
وأحداثه صخرة عاتية..
ونصف الطريق..
قطعة حلوى بطعم الزجاج...
وهاهو جاء.
                                                      إلهام الحدابي.

الخميس، 10 نوفمبر 2011

هكذا يأتي المطر....

أرى منذ الطفولة تألم السماء ومخاضها،بكاءها،ونشيجها...ثم ولادة المطر،ذلك المطر الذي يخلق ابتسامة الأطفال،ويخلق الخضرة في رحم القحط،وينفخ الروح في الوجوه بعد يأسها،هذا المطر هو عودة للحياة،وهو بهذا يخبرنا أن المستحيل ليس مستحيلاً...فالموت بعده حياة ولكن البشر لا يفهمون..
هذه المعادلة المطرية علمتني كيف أزرع الابتسامة في وجهي  في لحظات ألمه،وكيف أعبر عن المي دون أن أخنق العبرة،أن أقبل وجه السماء كل صباح وأنظر إلى ألمي وكأنه هدية من السماء،فبعد ألمي سيكون ابتهاجي،ألم يخبرنا المطر بذلك..
المطر..له في كل زمان حكاية،صحيح أنه لا يحمل في قلبه إلا الماء،ولكنه يغسل أدران خوفنا من كل شيء،ويطهرنا من جبننا،يبدوا أن مطر الروح حل أخيراً علينا لينبت فينا ربيعاً أزهاره الدم،السماء بنقائها لم ترغب أن تخضبنا بالجراح ولكن مخاض الحريه ليس كالماء الذي تبذله،ولكنه كبكائها قبل أن تبذل المطر.
المطر تلون بألوان البشر فهو نجاح كما في الجميلتين مصر وتونس،وقوي كما في الأبية ليبيا،ومؤلم كما في دموع اليمن وسوريا، الشهداء هم حصاد مطر البشر،والجرحى هم ربيعها،،،والبشر هم أجواء ما بعد المطر..

تعلمنا من ألمنا..من فرحنا..من سمائنا  بأنه هكذا يأتي المطر

الخميس، 13 أكتوبر 2011

مظاهرة





أسمع صوت التلفاز يخالط صوت أخي المتحمس في شرح قضايا الشارع لؤلئك الجالسين أمامه، أبي يجامل بابتسامة عريضة في مواصلة الإستماع لمثل هذا الحديث والمعاد للمرة....،أما جدي فلا يقصد أن يظهر ملله لكن شخيره بدأ يتعالى،وجدتي تواصل النظر لإبرة الصوف التي في يدها،تقطع أمي كعادتها حماسة أخي  وتشير إلي قائلة:لم لا تكون مثل أختك؟إهتم بشؤنك فحسب...
أخي يصغرني بعاميين ،إلا أني أراه يكبرني بأربعين عاما،أستطيع أن أجزم بذلك عندما أرى عينيه الملأى بالهموم،لا أدري لماذا يطيل السهر ناظراً في تلك الكتب التي لم يقرأها حتى جدي،ياليته يفعل ذلك في دروسه!!أما حماسته في كل شيء فلا أحد منا يتصف بها،ذات مرة دخلت غرفته لأوقضه،شردت كثيراً بما شاهدته..خططاً صباحية وأخرى مسائية،جدول للمظاهرات والنشاطات الطلابية،يومها شاهدت ابتسامتي الساخرة مرتسمة فوق جزء المرآة الذي لم يعلق فوقه ورقة بعد.
مؤخراً لم يعد أخي يتحدث معنا كثيراً،يأكل سريعاً ويغط في نومه مبكراً،ويغادر منذ الفجر تحت ذريعة دروس إضافية، لم يهمني أمره لأني منذ أن كنت صغيرة اعتدت فقط ان أرى نفسي،شكل حذائي،لون حقيبتي،أسناني البيضاء وابتسامتي .
عندما أرى المطر أراه مجرد ماء يبلل شعري فأظطر لتجفيفه،أكره لون الدم مع أني طبيبة،خارج إطار العمل إذا رأيت أحدهم وقد جرح أو أراد مساعدتي أتهرب قدر استطاعتي حتى لا أتسخ،الناس جميعاً في عالمي مجرد شخوص مثل افلام الكارتون القديمة،إشارة المرور ألوالن معلقة،الشقوق المتهدلة من وجه المتسولين تذكرني بشكل القبور،أكره الروتين ومع ذلك لا أغير في يومي شيئاً، وبعد ذلك  أظل المميزة عند أبواي لأني على عكس أخي اكره الإنتماءات السياسية...
أعود من الجامعة ،أفتح الباب ببطء ..يزعجني صوته الممطوط،أتذكر تعليق أخي على صوت ذلك الباب:يشبه أنات السنين،أبتسم بسخرية وانا أذكر ردي على تعليقه ذاك:بل إنه يشبه صوتك.
أدلف بهدوء كعادتي،كل شيء ساكن،ألقي التحية..لا أحد يجيب،أصطدم بالملامح المحتقنة لوالدتي،صوف جدتي ملقى بإهمال على الكنبة،وعصى جدي غير موجودة،وكوب الشاي مازال ساخناُ يبدوا أن والدي لم يشربه بعد،،صوت التلفاز يثرثر كعادته:مظاهرة جديدة في ....،أتساءل في سري :هل دولتنا ضعيفة لهذا الحد بحيث لا تستطيع أن توقف مثل هاؤلاء الغوغاء!!أتجاهل كل ما حولي وأذهب لغرفتي،،أمتد على سريري،دائماً ما ينتابني شعورٌ ما حالما ألقي نفسي فوق الفراش،ذلك الشعور من شأنه أن يزيل كل توتري،لكن اللحظة ما زالت أعصابي مشدودة،اتفرس في الجدار ،الستائر مغلقة منذ الصباح..تغلف  الغرفة بهدوء عجيب  ليراودني النعاس،أتذكر كوب الشاي الساخن ووجه أمي،يا إلهي أنا حتى لم اسألها  إن كانت تحتاج إلى...،أفتح باب غرفتي بملل،صوت أمي الباكي يصطك بأذني،أتسمر عند العتبة ،أجر قدمي إلى حيث الصوت،منذ أن كنت صغير لم أسمع بكاء شخص كبير،أمي التي لم تبك قط حتى أنها علمتني الجمود وكنت أعتقده قوة،أبتسم ببلادة وأنا أركز نظري على التلفاز الذي يبث مباشرة أخباره العاجلة(في اعتداء هو الأول من نوعه قامت الحكومة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين بشكل عشوائي لتفريقهم،كان من بين الضحايا...)تبرز صورتان إحداهما لأخي بصورة شخصية والأخرى لجسد مغطى بالدماء،أخذت احتسي كوب الشاي الذي أصبح بارداً أكثر من أطرافي،أضحك بهستيريا وأنا أتذكر ما همست به لنفسي سراً.
مساءاً. العديد من الوجوه الشاحبة تعزي والديّ،ولأول مرة أرى الناس بهذا الوضوح فقد خرجوا من الإطار المموه لذاكرتي،كل الوجوه رغم شحوبها كانت ملونة عدى صورة أخي فقد اتشحت فقط بالسواد.