الثلاثاء، 31 يوليو 2012



أحداق جائعة

فكرت في بداية الأمر أن أجعل الأمر مجرد روتين، لكن الروتين في العالم يختلف عن روتيننا اليمني، فالروتين شيء ممل بالنسبة للكثير من البشر، غير أنه في واقعنا-هنا- يصطبغ بمفهوم الألم، فالروتين هنا يعني أن ترى أكواماً من البشر يسيرون على غير هدى، والروتين هنا يعني أن تسمع أحدهم يتفاخر بفساده دون حياء، ويعني أنك تحاول وتسعى وتبني ليأتي أحمق آخر ويهدم كل ما فعلته برأي يمرره شيوخ مجلس النواب، ويعني أن نتكور في ذواتنا ونلقي اللوم كله على الآخر وكأننا أنبياء! الروتين هنا يشبه ثورتنا المبتورة التي تشبه جرحاها بابتساماتهم الرمادية...
منذ أن فتحنا أعيننا ونحن نسمع عن الفساد، ولكن فساد الأمس لا يشبه فساد اليوم خصوصاً بعد أن تم إصدار هيئة متكاملة للترويج له، والفقر في الماضي كان مجرد نقصان الكماليات إذا ما قورن بالوقت الحالي، لا زلت أتذكر جيراننا الفقراء في زمن ماضي وكيف أن فقرهم كان يعني عدم توفر الدجاج أو اللحم يوم الجمعة، أما اليوم فخبز العيش لم يعد يتوفر إلا على بعض  الموائد، كثرٌ أولئك الحمقى الذين ينهكون أنفسهم بالتفكير في اختزال الفساد في صفقات الكهرباء أو الغاز أو الكهرباء، الفساد الحقيقي لا زال يعبأ حتى اللحظة، تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطن، وثمة مسمى جديد ينتعله اللاهثون الجدد (الثورة)!
قُدر لي أن أرى الوجه الأبشع لليمن، كنت أظن أن أقبح وجه فيها هو الفساد وحسب، ولكن ثمة وجه مخيف، هل تعلمون ما هو؟ إنه وجه الإنسان اليمني عندما يُسلب حتى من كرامته، اعتدنا من المخلوع السابق الشحت على رؤوس الأشهاد من أجلنا، واعتدنا منه لغة الحرب ليستنزف جيوب الداخل والخارج دون حرمة لدماء الأطفال والأبرياء، واعتدنا منه القص واللصق وفق الحاجة بالكذب والغش والخداع، ويبدوا أنا سنعتاد وجوها أقبح منه، فما معنى أن يستمر مسلسل الذلة والشحت باسم اليمن ومع ذلك لا يتغير من الواقع شيئ! وما معنى أن نصف سكان أبين وصعدة- إلى اللحظة- يتناولون فطورهم وسحورهم في أقبية الخيام! وما معنى أن مختلف الجرائم التي تتوالى تجابه بالصمت أو التستر! وما معنى...وما معنى! في الأخير لم يعد ثمة معنى لشيء في وطن لا يعني لنفسه شيء! في وطن اعتاد أن يكون مطية للمرتزقة والفشلة والمغبونين!
عشرة أفراد يعيشون في ملحق جامع بحمام يقع على درج! ستيني يحمل علبة طلاء وفرشاة ثقيلة لا تحترم تقدمه بالسن! وامرأة في شهرها الأخير اعتادت الوقوف في الجولات وأمام نوافذ السيارات علها تحصل على قطعة مال تسد بها جوع مقعد في المنزل مع أطفاله الثمانية! طفلٌ لا يعرف من وطنه إلا ملابسه المتسخة وصراخ عمه الذي يجبره كل يوم للخروج من أجل قيمة القات! وكفيف يفترش الطرقات من أجل بضعة أفلاس، ومقعد يبيع علبة (فاين) على كرسيه الشبه مكسور، وفتاة جميلة تتقاذفها الأفواه والألسن أثناء جولة الشحت اليومية التي تقوم بها، ومستشفيات يدخل فيها المصاب بقطع بسيط في يده ليخرج مقطوع الروح، ومدارس تتفنن في نقل حرفة الغش والكذب بأساليب منهجية، وجامعات ملأى بالكثير من الطامحين الذين ما إن يتخرجوا حتى ينضموا للمستشفيات النفسية أو لأسواق القات...
في السابق كنت أرى الجوع يقطر من أحداق القاطنين في الشوارع بأعمارهم المختلفة، أتأمل قاماتهم النحيلة، وملامحهم الشاحبة تخبرك عن أن آخر وقت تناولوا في الطعام، وابتساماتهم الفاترة جزء يدللك على جنسيتهم، أما الآن فلم أعد  أرى تلك الأحداق –رغم جوعها-  مجرد ملامح جائعة للطعام، وإنما جائعة لأشياء ثمينة لا أدري متى تدركها حكوماتنا الموقرة، مثل هذه الأحداق جائعة لشيء اسمه الإنسانية....

الأربعاء، 4 يوليو 2012

سلمى



توطئة:
ذات مرة قرأت سطراً في رواية....(نكتب دائماً عن الأشياء أو الأشخاص لكي نتخلص منهم)...
ولكني هنا..سأكتبك على عكس تلك القاعدة...
سأكتبك ليشاركني الآخرين ابتسامتك الصغيرة..
سأكتبك حتى لا تفنى ملامحك في الذاكرة...
سأكتبك كأنتِ....بقدر حبي لك.


كل ما يحيط بك أبيض، كلون بشرتك النقية، وكلون أحلام التي تلازمك، أملاً في أن تتفتح مقلتيك الصغيرة في يوم ما...
هكذا بدأت القصة..
طفلة لم تكمل شهرها السابع تخرج إلى الضجيج، تخرج إلى كف لا تعرف ما معنى طفلة، تخرج إلى عالم مؤلم لا يشبه تلك الجنة التي خرجت منها...
أخبروا تلك التي تلازمك: ثمة خطأ طبي بسيط سبب اختناق الطفلة، ترقبهم عيناها باهتمام..
يخبرها طبيب آخر: الحبل السري كلن هو سبب الاختناق، يهم أحدهم بالحديث ثم يحجم عن ذلك، مؤخراً يخبرها أن ذلك الخطأ  ارتكبته ممرضة مهملة، ومن بين كل تلك التقارير تنبتين كإستفهام حزين يهطل من تلك الأحداق التي ترقبك من خلف الزجاج..
حرمتِ من حليبها...وحرمتِ من دفئها...وحُرمت هي من ملامحك الدافئة وملمسك الطفولي، إحداهن كانت تشاركها ذات التجربة، ولكنها كانت تهمس لوالدتك بملل مفرط...مجرد قطع صغيرة...لماذا نرقبها!! ينتهي موعد الزيارات للحاضنات، ولكن تبقى أمك كقطعة أخرى لزجاج يغلف تلك الحاضنة التي تقطنين فيها.
تقرير آخر يخبرها أنك ستنبتين بلا نور، وطبيب آخر يقنعها بأن تتركك لأنه ليس ثمة أمل من قطعة لحم تحمل شكل عيون وأنف! ووالد أحدهم يذكرها بأنه لا جدوى من الانتظار، ومثل هذه الحالات تعيش لشهر وحسب...
كانت تلك الصامدة تشعر بنبضك يخترق كل الحواجز، وتؤمن بأن ابتسامتك ستنبت كما حلمت بها، وأن الانتظار هو أحد قواعد الأمومة التي تتقنها..وكانت...وكانت...و كنتِ تعيشين بسكون تحت الأجهزة، تتقنين فن التألم لتثبتي لتلك الرابضة أنك لست مجرد قطعة لحم، عرفتي لغة الحقن المؤلمة، والمعقمات الصاخبة، عرفتي شكل الوحدة، والخوف...والحرمان، عرفتي الفرق بين كف والدتك الذي لا يزورك إلا لمماً، وبين كف الطبيب التي لا تفارقك..ياااه كل هذه الخبرات أخذتها من عالم البشر حتى قبل أن تفتحي عينيك...
.................
لحظاتي الأخيرة معك تقترب، تقترب بشكل مخيف، بعد قليل ستصبحي بالفعل مجرد قطعة لحم، بعد أن قرر المشفى إزالة جهاز التنفس عنك، لم تشفع دموعي...ولا طفولتك....لم يشفع شيء، وكأن قانون الحياة لا يستحقه الضعفاء مثلك، وقفت إلى جوار جسدك الذي بدا لي لوهلة نقطة من الذاكرة...
لم أستطع البكاء، لأني مارسته كثيراً في حضرة حياتك القصيرة..
بكيت عندما سمعت أول تقرير، وبكيت عندما منعت من رؤيتك إلا من وراء حجب الزجاج، وبكيت كثيراً عندما علمت بقرار غريب اتخذه المشفى كإجراء روتيني لتخلص من بعض قطع لحم قديمة كما يقولون من أجل قطع جديدة!!
لا أدري بأي عين كنت أرقب مشهدك الأخير، خمس دقائق في حضرة موتك الصغير...
خمس دقائق لتذوب شمعتك التي لم تضاء بعد!!
خمس دقائق تتوقفين تماماً، وأتمنى أن أتوقف أنا أيضاً لألقاك مجدداً، خمس دقائق كانت فاصلة طويلة غرست في أحداقي، تمنيت لو أني أصرخ..أو أبكي...
بعد انتهاء المشهد تساءلت في ذهول: أي حماقة ارتكبت! لماذا يدعوني الطبيب لأحضر مشهدك الأخير!.... ربما حتى أتذكر آخر صوت لنبضك الضعيف...ربما لتشعري بي  وتطمئني لمرة أخيرة..
عيناي تقرأن نبضك مجدداً، أصرخ بذهول وأشير إليك، يقنعني أحدهم أني أمر بمرحلة صدمة، صدرك الصغير يعلو ويهبط كما يفعل الآخرون، نبضك الهادئ يتعالى ليصنع في عالمي سيمفونية عذبة كروحك العائدة...
........................
في البداية...لم أعرف أحداً غيرك..لكن أصبحت أعرفهم جميعاً، أعرف حمودي، وأعرف سوسو..
أعرفكم جميعاً وأحبكم.
 أشكرك يا أمي..فمنك تعلمت الصبر، حتى إذا ما جاء موسم الحقن استطعت أن أتخاطب معها بصمت حتى لا أشق عليك..
تعلمت ابتسامتك...ولذا هي هدية يتيمة يمكنني أن أعطيك إياها كل صباح،وحفظت ملامحك التي تشبه روحك...لذا أنا لا أخطئ حتى في قراءة ظلك أبداً..
أشياء كثيرة أتعلمها يا أمي، قد لا أستطيع أن أخبرك بها، لكن حتماً أنت تشعرين بها، الكثير من الأشياء لا يمكنني أن أفعلها كما يفعلون...
لا أستطيع تذوق الشوكلاتة... وقد أتساءل:ترى كيف طعم الماء!
أرقب جسدي الصغير ينمو دون أن أستطيع تحريكه، وأقرأ ركض إخوتي بفرح دون أن أشاركهم، أقرأ ألوان فرحكم بهدوء من زاويتي، أتأمل ملامحكم الملأى بطقوس الحياة، عندما تأتي الاختبارات يصبح الكلام بينكم قليل لذا أشعر بالملل قليلاً، وعندما تأتي العطلة يعجبني صوتك يا أمي وأنت تصرخي فوق إخوتي وهم يتراكضون حولي،
مسلسلات الكارتون التي جلبت لإخوتي النظارات كانت تشدني ولكن زاويتي بعيدة عن التلفاز، أحب تفاصيلكم الصغيرة والكبيرة، أحب أيامكم الملأى بالضجيج، بالمرح، بالحب..
أمي...قد ترينني نبتة صامتة أختلف عن الآخرين كثيراً، لكن تأكدي أن نبضي الذي أشرق في حضرتك في زمن ما...لا زال يشرق في حضرة ملامحك كل لحظة...

الاثنين، 25 يونيو 2012

نظارة





الحب لا ينبت بين البشر فحسب، أحيناً يصبح الحب ذرَّات هواء، أو نبض شيء ما.. أو مجرد صمت والتفاتات...أحياناً يصبح الحب(نحن).
لم أتخيل أن أفارقك فجأة، ولم يخطر ببالي أن تتعلق في عيناي كمشهد قديم وحسب، في تلك اللحظة لم أستطع حتى بذل الدموع لك، لم أستطع أن أصرخ، ولم أجرؤ على المطالبة بالعودة لك، أدرك أن سقوطي من عينيك كان هفوة..أو...غفوة لا يهم...المشهد يحكي أني سقطت  في الأخير.
أشتاق لملمس يديك الدافئة، لتنهداتك الطويل...لحديثك المتقطع...لعبراتك التي تلتصق بي...لصمتنا الطويل...
المشهد من زاويتي يجبرني على أن أغمض عيناي ولكني لا أستطيع...ربما لهذا السبب أحببتني  في أيامك الأخيرة أكثر من أي شي آخر..
_____
أعرف قصتك من البداية حتى النهاية، على الرغم من أن قصتنا لم تبدأ إلا من عشرين سنة، أعرف كيف غادرت قريتك بحثاً عن العلم كما كان يفعل الشرفاء وأبناءهم،  وأعرف كيف أحببت حبيبتك الأولى (أم عصام) ، كانت رائحة القهوة التي قدمتها لك يوم الخطوبة لها مذاق خاص....كنت تخبرني بكل هذه التفاصيل وتربت على عيناي لتحجب عني رؤية بعض ابتساماتك، تمنيت أن ألتقيها قبل أن ألقاك..لأخبرها أنها حصلت على كنز اسمه(أنت)..
في مساء آخر يختلف كلياً عن مساءاتي التي اعتدتها معك...أقرأ شخصاً آخر منك، و لأول مرة أقرأ دموعك...لقد كانت مختلفة تماماً عن تلك التي تذرفها بعد إعياء من نظر طويل إلى كتاب تاريخي أو رسالة قديمة، ولم تكن تشبه دموعك أثناء خلوتنا بسيرة رحيل حبيبتك الأولى، لقد كانت مُرَّة تنبئ عن قهر ممجوج...بعد صمتك الذي استحال فجأة إلى نحيب طويل تخبرني:...وحيدي تركني من أجل صديقته! لقد كان صوتك المتقطع يأزُّ في أحداقي، تمنيت لو تسمح لي بأن أقوم برحلة أخيرة أشظي فيها عينيه قبل أن تذرف دمعة كتلك.
أشاركك كل تفاصيلك...كل ملامحك...كل لحظاتك، إذاً هذا هو الحب! حقاً له مذاق لذيذ يشبه ابتسامتك المتعرجة، لشدّ ما كنت أتألم عندما نغادر بعضنا أثناء سباتك...وبمجرد أن تشرق الشمس أستيقظ من غفوتي بهزة بسيطة من يديك اللتان تتحسسان كل شيء عندما أبتعد عنك قليلاً.
كل يوم قصة، وكل مساء قصة، حياتي بالفعل ممتعة في خرائط حياتك، مواسم الفرح لها وقع خاص تختصرها ابتسامتك الثمانينية، ومواسم الحزن أيضاً لها وقع خاص تختمها بتنهيدة معبرة تفوق تعبير الحروف بالنسبة لي.
قبل عشرين عاماً، لم يكن قد مضى على حبنا سوى عاميين، ومع ذلك كنت قد أحببتك لقرون لذا  فهمتك عندما عدت بابتسامة مزيفة تخبئ بها حزنك من خبر تقاعدك، ذلك اليوم  بدأت عادتك في الحديث الخاص بيني وبينك...انتهت مدة صلاحيتك في عالم البشر ولكن صلاحيتك أصبحت خاصة بي وحسب.
_____________
أفتقدك..أفتقد أنفاسك التي اختفت فجأة، أفتقد نظراتك التي تتأمل ملامحي دون ملل، ويداك اللتان تتقنان فن التعامل مع ابتسامتي الصغيرة، لقد كنت جزءاً منك وأكثر، لذلك كنت تعاملني كآخر قشة حب في هذه الحياة...
أتمنى أن أقترب منك قليلاً مرة أخرى لأهمس لك، لقد فقدت إحدى عيناي بقدم وحيدك،  وحيدك الذي جاء من بعيد ليضع ختمه الأخير على نهايتي ونهايتك.
بعيني الواحدة أرى الغطاء الأبيض المسدل على وجهك، كأنه مقصلة لمشهد أخير انتهى قبل أن نقول لبعض كلمة وداع أخيرة، كوب قهوة نصف مملوء وكتاب مذكرات أزرق، وجسد منهك بالتفاصيل والانتظار والشوق، ونظارة ملقاة بإهمال إلى جوار جسدٍ  فقد القدرة على إنهاء عبارة أخيرة من رسالة قديمة...
يومها تألمت لأني لا أستطيع أن أحبك كما كنت تفعل، تمنيت لو أني جزء آخر منك لأستطيع أن أنقذ بقايا روحك، ولكني بقيت أحدق فيك كبلهاء تنتظر فصلاً آخر لن يأتي مجدداً...

الأحد، 24 يونيو 2012

ملامح2

عندما عرفت أحداقي  عيونك الصغيرة
صار لكل شيء مذاق خاص
يشبه صوتك الطري...يرفرف في غفواتي كلها، لأهجرها من أجلك
وأعلق ابتسامة رضى رغم أهدابي المثقلة بالنعاس
عندما صرت عنوناً لصباحاتي الجديدة
صرت قاموسك...وحروفك التي تنطقها...ماما
وعندما صرت جزءاً كبيراً مني
أصبح ظلك أثقل من أن تحمله ذاكرة مسنة مثلي
لذا صنعت لك ذاكرة خاصة بك
تلك الذاكرة لم تكن مجرد حيز في رأسي
لقد كانت امرأة
امرأة متعرجة بتفاصيل حياتك المكتضة
امرأة فقدت كل ما تملك
من أجلك
___وها أنت تكبر........
لتفقدها من أجل  أن تملك قلب  امرأة أخرى
لكن...
حتماً  لن تكون جزءاً منها
أو هي جزء منك.

ملامح1

نحن....
نحب أن نجرب كل شيء...

كل فرح
كل حزن
كل انتظار
.............كل صمت..........
وفي الأخير نصبح نحن التجربة للآخرين

الأربعاء، 18 أبريل 2012

قليل

قبل قليل، في زمن الذاكرة أشياء كثيرة نخبئها من أجل لحظة ما...
لكن دائماً ما تخوننا الذاكرة  فتضيع أشيائنا الحبيبة في ثناياها، ونستيقظ في يوم آخر لنكون أناس آخرين، منذ الطفولة ونحن نعتاد الصدق والكذب فقط عند الرغبة في قطع الحلوى...أو عند الخوف، ذلك الخوف الذي امتد لمسامات أرواحنا حينما غدونا كباراً، ولا ندري لماذا صرنا هكذا -فجأة- نتعلل بالخوف لنواري به سواءات ألسنتنا المثخنة بالكذب.
في صباحات ماضية كان من السهل علينا أن نلتقي بابتسامات شتى...لكن في زمن الواقع أصبح الإبتسامة ترف درامي لا يتقنه إلا الضعفاء، لا بأس عند منعطف الحي ستجد امرأة مسنة من الزمن القديم لتذكرك بزمن الإبتسامة مع أنها لم تعد تملك أي سنة لتؤطر ابتسامتها.
بعد قليل... في زمن النسيان، كانت الذاكرة حقيبة للماضي والحاضر والمستقبل، ولكن غادرتنا فجأة بعد أن ملت بشريتنا الزائفة، وحل مكانها النسيان، تسمع البعض يتغنى بقوله أن إنسان مع أنك لا زلت تقرأ بقايا الدم في يديه،  تسأله بذهول: من أجل ماذا صرت نصف إنسان!! يجيبك بخشوع: من أجل الوطن!!
وآخر يرتدي بزة غريبة يهتف في عقر الليل: من أجل الله سأقتلكم...فأنتم لا تستحقون المزيد من الألم.
وآخرين لا نعرفهم ولكن التاريخ يستطيع أن يرصد تنفساتهم الجوفاء، يقتلون، أو يكذبون ، أو حتى يسرقون...ويقولون من أجل الشعب كلنا نضحي! مسكين هذا الشعب ، ومسكين هذا الوطن...ومسكينة كل تلك الألفاظ التي نتقلدها فجأة ثم نعبث بكل شيء ونحن نستتر بأوراقها المندهشة، سيأتي يوم آخر ولا ندري أي لعنة أخرى سنتقلدها لنشبع غرورنا و نقتل من خلالها كل من تسول له نفسه بأن لا يؤمن بها مثلنا تماماً!!!
 قليل...يأتينا بعد أن يغادره الزمان والمكان،  عندما يزورنا ليس بالضرورة أن يكون هو يوم القيامة ،قد يكون يوم قيامة بالنسبة لنا فقط، قبل أن تهاجر أرواحنا إلى مستقرها ، ستقرأ أحداقنا الشاحبة هذه المفردة البسيطة وتغرق في تأملاتها المتحسرة، قليل من الصمت كان سيكفينا لنترك الكثير من الألم، وقليلٌ منه أيضاً سيداعدنا على أن نستعيد بشريتنا المهدرة في أرصفة القنوات، ولتعلمنا أنه ليس بالضرورة أن يكون حبل الكذب قصيراً لنتركه وإنما  الكذب بحد ذاته موت، ها..كيف تقرأ الموت اللحظة؟ ليس كمذاق قهوتك الصباحية؟ وليس كمذاق خوفك عند اشتداد الريح وبروق العواصف،! وليس كطموحك الذي غادرك منذ أهمل الناس اسمك وصرت تراب؟  مذاقه به قليل من الأمل وكثير من الحسرة...هذا الألم ليس كلون  الدماء التي أدمنتها في نشرات الأخبار..لأن هذا الألم ينبع منك أنت...
قليل من الصبر وتأتيك النهاية.

الأحد، 19 فبراير 2012

القربان الأخير

عندما يغادر قامة النهار ويأفل في حجب تفكيره،تستطيع أن تقرأ عبوسه كنوع من ترف الحزن...تهدهد  رياح النافذة دمعة تتجذر في خده الأيسر ويرفض أن يعترف بها،وتجبره نهدةُ تنطلف بحرارة من أعماق قلبه على الإعتراف بأنها جزء منه.
ترى لماذ صار هكذا مجرد تمثال  يتقن نفث الدخان في رحم حيرته!هو لا يحب أي  امرآة تأتي  من الظل أو من خلف الباب ،حتى لو تطابقت مع خيالاته ،لأنه ببساطة أصبح شيئاً يجهله.
يقرأ ندبة في كفه ،فتخرج زغرودة من  جوف أمه وهي تبارك رصاصته الغادرة،وهل يصنع الرجال الموت إلا من أجل التاريخ،ذلك التاريخ الذي سيقص للأحفاد أن جدهم كان بطلاً لأنه خذل التوقعات وأخذ بثأر والده،لكن متى سيصنع الأحفاد!!وأي أحفاد أولئك الذين سقرأون  تاريخه ويكتبون بالعريض بطل اتسم بالغدر من أجل شرف ضائع...
يتذكر حجرته المظلمة في تلك الليلة الباردة،وكيف صار الجميع -فجأة - أحبة له عندما قرر أن يصبح مجرماً من أجلهم،فليس من حق أحد غيره أن يقدم على فعلته لأنه هو الوحيد المستحق لهذا الشرف،أن يثأر يعني أن يصير رجلاً في القبيلة،أن يكسر خوفه هي الشجاعة بعينها،أن يقرأ ذعر فريسته هو الإستئساد بعينه،كل ذلك كان يردده في الظلام ليشحذ عزيمته المبتورة خلف ارتجافاته،هو الذي لم يكمل الثامنة عشر بعد سيصبح رجلاً في زمن القيض،هو الذي لم يجرؤ أن يخبر زينب أنه رأها في حلم ليلتة الأخيرة مزدانه كأنها عروسه،هو الذي لم يجروء أن يقول للقبيلة كفى،فأنا لا أريد أن أكون القتيل القادم،هو الذي لم يكف  أعمامه من وصمه بالجبن منذ أن صرح بضجره من الدم الذي لا تكف القرية عن شربه،وهو الذي يقف اللحظة بين دموع لاتنتني للخوف ولا لندم،ولا للحسرة....إنها دموع سخيفة لا تكف عن الفرار من محاجره بعد أن ضاقت بألمه.
ليس بالضرورة أن نسارع الزمن ونلقي أمنياتنا الغبية في لياليه، لم يفعل ذلك غلا في صيف  تعيس أفقده أعز ما يملك،لقد تمنى أن يصبح رجلاً،وأخبرته القبيلة بانه سيصبح الرجل الذي يريد إذا ما تخلى عن  ضجره وذعره من الدم،وصار هو القربان القادم من أجل الشرف المنسحق في لحظات الذهول،واصبح رجلاً يفقد معناه ،ولا يقرأ إلا توجساً خلف قضبان السجون،يتذكر حريته التي وأدها بملء إرادته من اجل شيء كان يملكه في الأساس،وفي موعد الجلسة القادمة تطلق أمه زغرودة أخرى لاقتراب إعدامه،فهو الرجل الذي ستتفاخر به أمام نساء القرية كلها،وستباهي المقابر بأن ابنها هو الأطرى تربةً،ومن يدري لعله يدفن إلى جوار ذلك الذي منحه اللقب!!
اللحظة لا الحب ولا الشجاعة...ولا زغرودة أمه ،ولا شيء يمكنه ان يعيده إلى نقطة البداية،لأن القاضي قد قرأ الحكم،الحكم الذي سيصحق  لقبه ،ويسحق أمنياته المتعثرة،ولكن كما يقول عمه الكبير سيكتب على شاهد قبره هنا يرقد الرجل.....
رجل الظل في ذاكرة نسوة القبيلة،وقصص لأحفادهم سيحشروها في نفوسهم ليكبروا  ويصيروا مثل  بطل تلك القصة ،وشاهد كبير يرقد أسفله جسدي النحيل ،يتمنى ان يكون  رجل الثأر الأخير،يتمنى أن يكون آخر قربان تقدمه القبيلة لألهة الغرور،أو آلهة الشهامة،فليسموها كما شاءوا فأنا لا أؤمن إلا  بقدري الذي سأواجهه اللحظة.
أمام أحداق السماء تتعثر خطواته  المهملة،يتأمل شخوص القبيلة،ويقرأ فخرها الممجوج في عينيه،ويسمع زغرودة ً لعلها لأمه، ويبتسم لقاتله برجاء أن يجعله آخر فدية من أجل ثأر قديم...ثم ينظر للأرض ويهمس لها  بأن تكف عن العبث ،أن  توقف نهمها  للجسد الذي يختفي دون ذنب في طياتها،ثم يصبوا إلى السماء....ويبكي بحرقة لنقائها،يمسح دمعاته التي أجفلت العمائم الكبيرة وأغضبتهم،ثم يتنهد بارتياح وهو يقرأ كف السماء وهي تمد يده لتحضنه بعيداً عن الشتائم التي تنفثها الأفواه قبالته دون حياء في مشهد موته.
 ينتهي به المطاف بعينين نصف مفتوحتين وجسدٍ ساكن،لكنه يستطيع أن يقرأ المشهد كله ،دموع  خبأتها النسوة منذ دخل السجن بملء إرادته  يذرفنها دون خوف،ورجال يتأملون ملامح الدهشة المرتسمة فوق أعين الصغار الذين سيعرفون لماذا مات البطل بهذه الطريقة،ولماذا قرر فجأة -رغم الأحداق التي تملاً صورته بالخدوش-أن يصبح القربان الأخير!وسيدركون أن الموت بشرف ليس أن تقتل أحداً وإنما أن تقرر رغم خوفك أن تصبح أنت القتيل ،أن تواجه الاستغراب بابتسامة ساكنة لتمتص دهشته..
سيتعلمون أن القرابين  لا تاتي فقط في عيد الأضحى وإنما قد تكون يوم الجمعة إن قرر شخصما ان يكون هو النقطة الأخيرة لقصة مؤلمة.

إلهام الحدابي.19/2/2012