الأربعاء، 22 أغسطس 2012

قراءة نقدية لرواية الخيميائي


عندما نقرأ فإننا نعيش حياة  أناس آخرين، لأن الرواية قبل أن تكون مجرد حروف وجُمل يوردها كاتبها تكون جزءاً من رؤيته-هو- وفلسفته في الحياة، وعبر رواية الخيميائي( لباولو كويلو) نبحر في عالم مليء بالحكمة التي تفلسف الأشياء وفق منظور جديد قديم، فالقديم في سطور هذه الرواية التزامها بكثرة الحبكات كالأساطير القديمة، والجديد فيها أنها تكشف لنا عمق الأشياء البسيطة من حولنا لتدفعنا لتأملها بشكل أعمق يساعدنا على فهم كنهها ، والانسجام معها لأنها خلقت وخلقنا من أجل ذلك.
تزدهي هذه الرواية بكثرة الحكم التي تورد على ألسنة أبطالها، وبالمواقف التي تأتي لتعلم القارئ أن ثمة زوايا في حياتك ستزورك وفق الأقدار، وإذا تمعنت في حياة الألى استطعت أن تقبس الدرس قبل أن تقع في الخطأ، كما تورد هذه الرواية عدة مصطلحات فلسفية تلخص الهدف من وجود الإنسان، حيث تورد مصطلح (النفس الكلية) والذي يعني أن الكون بمكوناته هو من صنع يد واحدة تتحدث لغة واحدة لا يفهمها إلا من تمعن في الكون أكثر وحاول الاقتراب من كنهه، والتنوع القائم في الكون من بشر وجماد وحيوان وفضاء...إلخ ما هو إلى شفرات تبحث عمن يكتشفها لتفتح له أفاقاً أوسع للمعرفة، كما تورد الرواية مصطلح (الأسطورة الشخصية) والذي يعني أن لكل إنسان قصته التي كتبتها الأقدار وعليه أن يبحث عنها ويسير في الحياة ليطبقها، فإن فعل ذلك تضافرت جهود الكون لتمكنه من فعل ذلك، وإن بقي حبيس الخوف البشري بقي نقطة جوفاء في هذا العالم الفسيح، لترقبه الشمس والقمر والنجوم بلا مبالاة فلا قيمة لأولئك الذين يحبون أن يعيشوا بشكل تائه على خلاف ما خلقوا له،أيضاً هناك مصطلح( اللغة الكونية) والذي يجيء تباعاً للانصهار في بوتقة النفس الكلية، فللعيون لغة تندرج ضمن هذه اللغة الكونية، والابتسامة وصمت الصحراء وجريان السحب وعواء الذئاب ورغاء الجمال...وتوجس الأنفاس كلها لغات كونية لا يدركها إلا من تأملها وسعى لفهمها،لأن مثل تلك اللغات تخبرنا عن أشياء لا يدركها الآخرون...
فكرة الرواية ترتبط بشكل كبير بالفلسفة الوجودية للإنسان، فالإنسان الذي تعبر تساؤلاته عن حيرته في هذا الكون الفسيح يمكن أن يصبح جزءاً من الإجابة إذا اندمج مع هذا الكون الذي يتحدث ذات اللغة كما تشير هذه الرواية،الكثير من الحكم تورد في تفاصيلها أثناء الحوارات الاعتيادية بين البشر، وأثناء الحوارات التي تخرج إلى إطار الخيال كما في بعض فصولها، لذا يمكننا أن نقول أن هذه الرواية فلسفية بامتياز، وتأتي الحكمة كشكل يميز هذا العمل الأدبي عن الأعمال الأدبية الأخرى.
من ناحية الأسلوب، يتنوع الأسلوب المستخدم في هذه الرواية وفق الحدث الذي تدور فيه، ففي البداية يسيطر الأسلوب الموضوعي على سياق الرواية لتغمرنا بالتفاصيل التي تساعدنا على فهم الأحداث التي ستجيء تباعاً بعد ذلك، وفي السياق ينتقل الحديث إلى لسان الشخصيات المتحدثة وبذلك يسيطر الأسلوب الداخلي على السياق، ومثل هذا التنويع خلق لنا جواً من الاقتراب والابتعاد عن أحداث الحكاية بحيث نستطيع الاندماج بمشاعرنا عبر حروفها.
تسيطر اللغة التصويرية على معظم فصول الرواية، فالصحراء لها لغتها التي تسكن ألسنة المتحدثين عنها، والسماء بصقورها، وعيون فاطمة، وخيام القبائل، وحركة القافلة، كلها تفاصيل صورتها اللغة بشكل جمالي يضفي قيمة تذوق آخر للرواية.
الشخصية الرئيسية ترتبط بالراعي سينتياغو الذي تدور معظم الأحداث حوله، غير أن الشخصيات الفرعية التي ظهرت أثناء تعاقب الفصول لا تقل أهمية عن الشخصية الرئيسية، لأنها ارتبطت كثيراً بفلسفة الرواية عبر الحكم التي ورد على ألسنتها، والمواقف التي ربطتها بالشخصية الرئيسية بحيث أكملت المشهد بشكل يخدم الفكرة التي تسعى الرواية لإيصالها.
الزمان والمكان من خلال السياق يتضح أنهما في الفترة القديمة، حيث كانت الأندلس لا تزال تحت نير الخوف من الغزو العربي كما وضحت ألفاظ صريحة لكاتب الرواية على لسان الراعي، وحيث كانت أفريقية هي العالم الغريب الذي يزخر بكل ما هو مختلف ليتحدث عنه سكان أسبانية، من ناحية الأحداث والحبكات، فلكثرتها قد يتوه القارئ العابر لهذه الرواية، لكن من أراد أن يقرأها ويفهم عليه أن يمعن التركيز في تفاصيل هذه الرواية المليئة بالتنقلات والحبكات المثيرة الواردة كجزء من النص، أو خارج إطار النص كما وردت بعض القصص الجانبية التي كان يحكيها الملك أو الخيميائي للراعي قبل وبعد رحلته لتحقيق أسطورته الشخصية.
من ناحية الدلالة، تزخر هذه الرواية بالعديد من الدلالات المرتبطة كثيراً بعالم الحكم التي وردت في متنها، فالدلالة التاريخية مرتبطة بالدلالة الاجتماعية، ومرتبطة بالدلالة الثقافية والدينية التي تدل على سعة إطلاع المؤلف، وكل تلك الدلالات مرتبطة بشكل وثيق بالدلالات الإنسانية التي سعت الرواية إلى إيصالها،فالرواية تسعى لإيصال فكرة وجود رسالة مستقلة لكل إنسان على هذه الحياة والمتمثلة بصورة فلسفية وردت في الرواية ك( أسطورة شخصية)، وبأن على الإنسان أن يبذل كل ما يملك حتى عمره لتحقيق هذه الرسالة، لأنه ما إن يتقدم خطوة إلا ويتضافر الكون كله لتلبيه ما يريد ليساعده على تحقيق أسطورته الشخصية والفكرة الحقيقية من وجوده.
هذه الرواية تجمع بين البعد الثقافي والفلسفي ، وتخلق في ذهن قارئها العديد من التساؤلات التي تجعل منه إنساناً آخر بعد أن ينهيها، حيث سيصبح لصوت الريح رسالة، ولابتسامة طفل عابر قيمة، وللخوف والانتظار حد، ومثل تلك المشاعر التي سنكتسبها كفيلة بأن تخلق لدينا الرغبة في قراءة هذا العمل الأدبي.

السبت، 18 أغسطس 2012


العيد الرمادي

اللحظة...
نتأمل حلوى العيد، ملابسنا الجديدة...نتذكر..أين سنذهب؟ من سنقابل هذا العيد؟
كيف سيكون العيد بألوانه المختلفة في حياتنا هذه المرة...
السماء تزدان ببهجتها...
السحب تغني..ووجه لهلال يولد من أجل أن نبدأ شهراً جديداً...
خطواتنا المستعجلة لتقبس فرحات جذلة...تضرب الأرض بسرعتها..تصل تلك الخطوات إلى العيد الصامت الذي يعيشه أناس آخرون...
قبل عام كانوا أصدقاءنا...أو إخوتنا...أو أبناءنا...أو أشخاص حفظنا ابتساماتهم المعلقة فوق خيام الانتظار...
قبل عام كانوا يرتدون الأبيض لصلاة العيد...قبل عام كانوا يشاركونا الحلوى...ونكاتٌ كنا نسرقها -أثناء انتظاراتنا الطويلة- حتى نشعر بالعيد...
يوم سقطوا ابتلعتهم الأرض عنوة، وأبقت لنا منهم أسماءهم نتأملها كشواهد في أعيادنا...
صرنا نجعل منهم مادة دسمة لأعيادنا واحتفالاتنا، دون مراعاة لنظراتهم الحزينة المعلقة في شوارع العاصمة، ومهما ارتدينا الألوان...أو تجملنا بالطيب...أو وزعنا الحلوى والبسمات  ستظل ابتساماتنا رمادية لا قيمة لها في أعين أولئك الذين لا يجيدون إلى لغة الانتظار...
فأعيادهم صارت مجرد ذكرى في أذهان البعض...أو طقوساً تمارس كشعيرة لذكرى بين ذويهم، أما أولئك الذين أقسموا على الوفاء لهم..صاروا منهمكين بطقوس أخرى لا تمت لما أقسموا عليه بصلة!
العيد بحلواه لا قيمة له أمام وجه يبتسم بحزن أمامنا كل يوم، يطل علينا من أحد جوانب الخيمة...يخبرنا: كيف عيدكم!
 قد...نتوجه إلى تربته لنخاطبه بصمت...عيدنا بلا ملامح...فكيف نتقن لغة الابتسام! وقد نواصل تذوق الحلوى وكأن الأمس كان مقطع ممل من أخبار محلية!
الأرض تزدان لتحتفل بملامحكم المطمورة في قلبها...لتهنئكم بأنكم عيدها وهي عيدكم..أما نحن ..فسنغرق في مختلف التفاصيل..في الألوان الباهتة لصوركم وكيف يجب أن نعيد طباعتها..في أحجام أسمائكم وأين نضعها بالضبط من أجل الاحتفال القادم...
عيدكم –يا شهداءنا- انتظار....
عيدكم-يا شهداءنا- بلون دمكم الذي يشبه العلم...
عيدكم –يا شهداءنا- محبة كملامحكم الملونة في جدران الذاكرة...
عيدكم أنتم لا نحن...فثمة فرق بين من صارت السماء جزءاً من روحه وبين من لا يبارح الأرض ويأبى الانفكاك عنها....


الثلاثاء، 31 يوليو 2012



أحداق جائعة

فكرت في بداية الأمر أن أجعل الأمر مجرد روتين، لكن الروتين في العالم يختلف عن روتيننا اليمني، فالروتين شيء ممل بالنسبة للكثير من البشر، غير أنه في واقعنا-هنا- يصطبغ بمفهوم الألم، فالروتين هنا يعني أن ترى أكواماً من البشر يسيرون على غير هدى، والروتين هنا يعني أن تسمع أحدهم يتفاخر بفساده دون حياء، ويعني أنك تحاول وتسعى وتبني ليأتي أحمق آخر ويهدم كل ما فعلته برأي يمرره شيوخ مجلس النواب، ويعني أن نتكور في ذواتنا ونلقي اللوم كله على الآخر وكأننا أنبياء! الروتين هنا يشبه ثورتنا المبتورة التي تشبه جرحاها بابتساماتهم الرمادية...
منذ أن فتحنا أعيننا ونحن نسمع عن الفساد، ولكن فساد الأمس لا يشبه فساد اليوم خصوصاً بعد أن تم إصدار هيئة متكاملة للترويج له، والفقر في الماضي كان مجرد نقصان الكماليات إذا ما قورن بالوقت الحالي، لا زلت أتذكر جيراننا الفقراء في زمن ماضي وكيف أن فقرهم كان يعني عدم توفر الدجاج أو اللحم يوم الجمعة، أما اليوم فخبز العيش لم يعد يتوفر إلا على بعض  الموائد، كثرٌ أولئك الحمقى الذين ينهكون أنفسهم بالتفكير في اختزال الفساد في صفقات الكهرباء أو الغاز أو الكهرباء، الفساد الحقيقي لا زال يعبأ حتى اللحظة، تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطن، وثمة مسمى جديد ينتعله اللاهثون الجدد (الثورة)!
قُدر لي أن أرى الوجه الأبشع لليمن، كنت أظن أن أقبح وجه فيها هو الفساد وحسب، ولكن ثمة وجه مخيف، هل تعلمون ما هو؟ إنه وجه الإنسان اليمني عندما يُسلب حتى من كرامته، اعتدنا من المخلوع السابق الشحت على رؤوس الأشهاد من أجلنا، واعتدنا منه لغة الحرب ليستنزف جيوب الداخل والخارج دون حرمة لدماء الأطفال والأبرياء، واعتدنا منه القص واللصق وفق الحاجة بالكذب والغش والخداع، ويبدوا أنا سنعتاد وجوها أقبح منه، فما معنى أن يستمر مسلسل الذلة والشحت باسم اليمن ومع ذلك لا يتغير من الواقع شيئ! وما معنى أن نصف سكان أبين وصعدة- إلى اللحظة- يتناولون فطورهم وسحورهم في أقبية الخيام! وما معنى أن مختلف الجرائم التي تتوالى تجابه بالصمت أو التستر! وما معنى...وما معنى! في الأخير لم يعد ثمة معنى لشيء في وطن لا يعني لنفسه شيء! في وطن اعتاد أن يكون مطية للمرتزقة والفشلة والمغبونين!
عشرة أفراد يعيشون في ملحق جامع بحمام يقع على درج! ستيني يحمل علبة طلاء وفرشاة ثقيلة لا تحترم تقدمه بالسن! وامرأة في شهرها الأخير اعتادت الوقوف في الجولات وأمام نوافذ السيارات علها تحصل على قطعة مال تسد بها جوع مقعد في المنزل مع أطفاله الثمانية! طفلٌ لا يعرف من وطنه إلا ملابسه المتسخة وصراخ عمه الذي يجبره كل يوم للخروج من أجل قيمة القات! وكفيف يفترش الطرقات من أجل بضعة أفلاس، ومقعد يبيع علبة (فاين) على كرسيه الشبه مكسور، وفتاة جميلة تتقاذفها الأفواه والألسن أثناء جولة الشحت اليومية التي تقوم بها، ومستشفيات يدخل فيها المصاب بقطع بسيط في يده ليخرج مقطوع الروح، ومدارس تتفنن في نقل حرفة الغش والكذب بأساليب منهجية، وجامعات ملأى بالكثير من الطامحين الذين ما إن يتخرجوا حتى ينضموا للمستشفيات النفسية أو لأسواق القات...
في السابق كنت أرى الجوع يقطر من أحداق القاطنين في الشوارع بأعمارهم المختلفة، أتأمل قاماتهم النحيلة، وملامحهم الشاحبة تخبرك عن أن آخر وقت تناولوا في الطعام، وابتساماتهم الفاترة جزء يدللك على جنسيتهم، أما الآن فلم أعد  أرى تلك الأحداق –رغم جوعها-  مجرد ملامح جائعة للطعام، وإنما جائعة لأشياء ثمينة لا أدري متى تدركها حكوماتنا الموقرة، مثل هذه الأحداق جائعة لشيء اسمه الإنسانية....

الأربعاء، 4 يوليو 2012

سلمى



توطئة:
ذات مرة قرأت سطراً في رواية....(نكتب دائماً عن الأشياء أو الأشخاص لكي نتخلص منهم)...
ولكني هنا..سأكتبك على عكس تلك القاعدة...
سأكتبك ليشاركني الآخرين ابتسامتك الصغيرة..
سأكتبك حتى لا تفنى ملامحك في الذاكرة...
سأكتبك كأنتِ....بقدر حبي لك.


كل ما يحيط بك أبيض، كلون بشرتك النقية، وكلون أحلام التي تلازمك، أملاً في أن تتفتح مقلتيك الصغيرة في يوم ما...
هكذا بدأت القصة..
طفلة لم تكمل شهرها السابع تخرج إلى الضجيج، تخرج إلى كف لا تعرف ما معنى طفلة، تخرج إلى عالم مؤلم لا يشبه تلك الجنة التي خرجت منها...
أخبروا تلك التي تلازمك: ثمة خطأ طبي بسيط سبب اختناق الطفلة، ترقبهم عيناها باهتمام..
يخبرها طبيب آخر: الحبل السري كلن هو سبب الاختناق، يهم أحدهم بالحديث ثم يحجم عن ذلك، مؤخراً يخبرها أن ذلك الخطأ  ارتكبته ممرضة مهملة، ومن بين كل تلك التقارير تنبتين كإستفهام حزين يهطل من تلك الأحداق التي ترقبك من خلف الزجاج..
حرمتِ من حليبها...وحرمتِ من دفئها...وحُرمت هي من ملامحك الدافئة وملمسك الطفولي، إحداهن كانت تشاركها ذات التجربة، ولكنها كانت تهمس لوالدتك بملل مفرط...مجرد قطع صغيرة...لماذا نرقبها!! ينتهي موعد الزيارات للحاضنات، ولكن تبقى أمك كقطعة أخرى لزجاج يغلف تلك الحاضنة التي تقطنين فيها.
تقرير آخر يخبرها أنك ستنبتين بلا نور، وطبيب آخر يقنعها بأن تتركك لأنه ليس ثمة أمل من قطعة لحم تحمل شكل عيون وأنف! ووالد أحدهم يذكرها بأنه لا جدوى من الانتظار، ومثل هذه الحالات تعيش لشهر وحسب...
كانت تلك الصامدة تشعر بنبضك يخترق كل الحواجز، وتؤمن بأن ابتسامتك ستنبت كما حلمت بها، وأن الانتظار هو أحد قواعد الأمومة التي تتقنها..وكانت...وكانت...و كنتِ تعيشين بسكون تحت الأجهزة، تتقنين فن التألم لتثبتي لتلك الرابضة أنك لست مجرد قطعة لحم، عرفتي لغة الحقن المؤلمة، والمعقمات الصاخبة، عرفتي شكل الوحدة، والخوف...والحرمان، عرفتي الفرق بين كف والدتك الذي لا يزورك إلا لمماً، وبين كف الطبيب التي لا تفارقك..ياااه كل هذه الخبرات أخذتها من عالم البشر حتى قبل أن تفتحي عينيك...
.................
لحظاتي الأخيرة معك تقترب، تقترب بشكل مخيف، بعد قليل ستصبحي بالفعل مجرد قطعة لحم، بعد أن قرر المشفى إزالة جهاز التنفس عنك، لم تشفع دموعي...ولا طفولتك....لم يشفع شيء، وكأن قانون الحياة لا يستحقه الضعفاء مثلك، وقفت إلى جوار جسدك الذي بدا لي لوهلة نقطة من الذاكرة...
لم أستطع البكاء، لأني مارسته كثيراً في حضرة حياتك القصيرة..
بكيت عندما سمعت أول تقرير، وبكيت عندما منعت من رؤيتك إلا من وراء حجب الزجاج، وبكيت كثيراً عندما علمت بقرار غريب اتخذه المشفى كإجراء روتيني لتخلص من بعض قطع لحم قديمة كما يقولون من أجل قطع جديدة!!
لا أدري بأي عين كنت أرقب مشهدك الأخير، خمس دقائق في حضرة موتك الصغير...
خمس دقائق لتذوب شمعتك التي لم تضاء بعد!!
خمس دقائق تتوقفين تماماً، وأتمنى أن أتوقف أنا أيضاً لألقاك مجدداً، خمس دقائق كانت فاصلة طويلة غرست في أحداقي، تمنيت لو أني أصرخ..أو أبكي...
بعد انتهاء المشهد تساءلت في ذهول: أي حماقة ارتكبت! لماذا يدعوني الطبيب لأحضر مشهدك الأخير!.... ربما حتى أتذكر آخر صوت لنبضك الضعيف...ربما لتشعري بي  وتطمئني لمرة أخيرة..
عيناي تقرأن نبضك مجدداً، أصرخ بذهول وأشير إليك، يقنعني أحدهم أني أمر بمرحلة صدمة، صدرك الصغير يعلو ويهبط كما يفعل الآخرون، نبضك الهادئ يتعالى ليصنع في عالمي سيمفونية عذبة كروحك العائدة...
........................
في البداية...لم أعرف أحداً غيرك..لكن أصبحت أعرفهم جميعاً، أعرف حمودي، وأعرف سوسو..
أعرفكم جميعاً وأحبكم.
 أشكرك يا أمي..فمنك تعلمت الصبر، حتى إذا ما جاء موسم الحقن استطعت أن أتخاطب معها بصمت حتى لا أشق عليك..
تعلمت ابتسامتك...ولذا هي هدية يتيمة يمكنني أن أعطيك إياها كل صباح،وحفظت ملامحك التي تشبه روحك...لذا أنا لا أخطئ حتى في قراءة ظلك أبداً..
أشياء كثيرة أتعلمها يا أمي، قد لا أستطيع أن أخبرك بها، لكن حتماً أنت تشعرين بها، الكثير من الأشياء لا يمكنني أن أفعلها كما يفعلون...
لا أستطيع تذوق الشوكلاتة... وقد أتساءل:ترى كيف طعم الماء!
أرقب جسدي الصغير ينمو دون أن أستطيع تحريكه، وأقرأ ركض إخوتي بفرح دون أن أشاركهم، أقرأ ألوان فرحكم بهدوء من زاويتي، أتأمل ملامحكم الملأى بطقوس الحياة، عندما تأتي الاختبارات يصبح الكلام بينكم قليل لذا أشعر بالملل قليلاً، وعندما تأتي العطلة يعجبني صوتك يا أمي وأنت تصرخي فوق إخوتي وهم يتراكضون حولي،
مسلسلات الكارتون التي جلبت لإخوتي النظارات كانت تشدني ولكن زاويتي بعيدة عن التلفاز، أحب تفاصيلكم الصغيرة والكبيرة، أحب أيامكم الملأى بالضجيج، بالمرح، بالحب..
أمي...قد ترينني نبتة صامتة أختلف عن الآخرين كثيراً، لكن تأكدي أن نبضي الذي أشرق في حضرتك في زمن ما...لا زال يشرق في حضرة ملامحك كل لحظة...

الاثنين، 25 يونيو 2012

نظارة





الحب لا ينبت بين البشر فحسب، أحيناً يصبح الحب ذرَّات هواء، أو نبض شيء ما.. أو مجرد صمت والتفاتات...أحياناً يصبح الحب(نحن).
لم أتخيل أن أفارقك فجأة، ولم يخطر ببالي أن تتعلق في عيناي كمشهد قديم وحسب، في تلك اللحظة لم أستطع حتى بذل الدموع لك، لم أستطع أن أصرخ، ولم أجرؤ على المطالبة بالعودة لك، أدرك أن سقوطي من عينيك كان هفوة..أو...غفوة لا يهم...المشهد يحكي أني سقطت  في الأخير.
أشتاق لملمس يديك الدافئة، لتنهداتك الطويل...لحديثك المتقطع...لعبراتك التي تلتصق بي...لصمتنا الطويل...
المشهد من زاويتي يجبرني على أن أغمض عيناي ولكني لا أستطيع...ربما لهذا السبب أحببتني  في أيامك الأخيرة أكثر من أي شي آخر..
_____
أعرف قصتك من البداية حتى النهاية، على الرغم من أن قصتنا لم تبدأ إلا من عشرين سنة، أعرف كيف غادرت قريتك بحثاً عن العلم كما كان يفعل الشرفاء وأبناءهم،  وأعرف كيف أحببت حبيبتك الأولى (أم عصام) ، كانت رائحة القهوة التي قدمتها لك يوم الخطوبة لها مذاق خاص....كنت تخبرني بكل هذه التفاصيل وتربت على عيناي لتحجب عني رؤية بعض ابتساماتك، تمنيت أن ألتقيها قبل أن ألقاك..لأخبرها أنها حصلت على كنز اسمه(أنت)..
في مساء آخر يختلف كلياً عن مساءاتي التي اعتدتها معك...أقرأ شخصاً آخر منك، و لأول مرة أقرأ دموعك...لقد كانت مختلفة تماماً عن تلك التي تذرفها بعد إعياء من نظر طويل إلى كتاب تاريخي أو رسالة قديمة، ولم تكن تشبه دموعك أثناء خلوتنا بسيرة رحيل حبيبتك الأولى، لقد كانت مُرَّة تنبئ عن قهر ممجوج...بعد صمتك الذي استحال فجأة إلى نحيب طويل تخبرني:...وحيدي تركني من أجل صديقته! لقد كان صوتك المتقطع يأزُّ في أحداقي، تمنيت لو تسمح لي بأن أقوم برحلة أخيرة أشظي فيها عينيه قبل أن تذرف دمعة كتلك.
أشاركك كل تفاصيلك...كل ملامحك...كل لحظاتك، إذاً هذا هو الحب! حقاً له مذاق لذيذ يشبه ابتسامتك المتعرجة، لشدّ ما كنت أتألم عندما نغادر بعضنا أثناء سباتك...وبمجرد أن تشرق الشمس أستيقظ من غفوتي بهزة بسيطة من يديك اللتان تتحسسان كل شيء عندما أبتعد عنك قليلاً.
كل يوم قصة، وكل مساء قصة، حياتي بالفعل ممتعة في خرائط حياتك، مواسم الفرح لها وقع خاص تختصرها ابتسامتك الثمانينية، ومواسم الحزن أيضاً لها وقع خاص تختمها بتنهيدة معبرة تفوق تعبير الحروف بالنسبة لي.
قبل عشرين عاماً، لم يكن قد مضى على حبنا سوى عاميين، ومع ذلك كنت قد أحببتك لقرون لذا  فهمتك عندما عدت بابتسامة مزيفة تخبئ بها حزنك من خبر تقاعدك، ذلك اليوم  بدأت عادتك في الحديث الخاص بيني وبينك...انتهت مدة صلاحيتك في عالم البشر ولكن صلاحيتك أصبحت خاصة بي وحسب.
_____________
أفتقدك..أفتقد أنفاسك التي اختفت فجأة، أفتقد نظراتك التي تتأمل ملامحي دون ملل، ويداك اللتان تتقنان فن التعامل مع ابتسامتي الصغيرة، لقد كنت جزءاً منك وأكثر، لذلك كنت تعاملني كآخر قشة حب في هذه الحياة...
أتمنى أن أقترب منك قليلاً مرة أخرى لأهمس لك، لقد فقدت إحدى عيناي بقدم وحيدك،  وحيدك الذي جاء من بعيد ليضع ختمه الأخير على نهايتي ونهايتك.
بعيني الواحدة أرى الغطاء الأبيض المسدل على وجهك، كأنه مقصلة لمشهد أخير انتهى قبل أن نقول لبعض كلمة وداع أخيرة، كوب قهوة نصف مملوء وكتاب مذكرات أزرق، وجسد منهك بالتفاصيل والانتظار والشوق، ونظارة ملقاة بإهمال إلى جوار جسدٍ  فقد القدرة على إنهاء عبارة أخيرة من رسالة قديمة...
يومها تألمت لأني لا أستطيع أن أحبك كما كنت تفعل، تمنيت لو أني جزء آخر منك لأستطيع أن أنقذ بقايا روحك، ولكني بقيت أحدق فيك كبلهاء تنتظر فصلاً آخر لن يأتي مجدداً...

الأحد، 24 يونيو 2012

ملامح2

عندما عرفت أحداقي  عيونك الصغيرة
صار لكل شيء مذاق خاص
يشبه صوتك الطري...يرفرف في غفواتي كلها، لأهجرها من أجلك
وأعلق ابتسامة رضى رغم أهدابي المثقلة بالنعاس
عندما صرت عنوناً لصباحاتي الجديدة
صرت قاموسك...وحروفك التي تنطقها...ماما
وعندما صرت جزءاً كبيراً مني
أصبح ظلك أثقل من أن تحمله ذاكرة مسنة مثلي
لذا صنعت لك ذاكرة خاصة بك
تلك الذاكرة لم تكن مجرد حيز في رأسي
لقد كانت امرأة
امرأة متعرجة بتفاصيل حياتك المكتضة
امرأة فقدت كل ما تملك
من أجلك
___وها أنت تكبر........
لتفقدها من أجل  أن تملك قلب  امرأة أخرى
لكن...
حتماً  لن تكون جزءاً منها
أو هي جزء منك.

ملامح1

نحن....
نحب أن نجرب كل شيء...

كل فرح
كل حزن
كل انتظار
.............كل صمت..........
وفي الأخير نصبح نحن التجربة للآخرين