الاثنين، 31 ديسمبر 2012

جيب أبي

Post With Featured Image



المكان : حجرة صغيرة تختبئ في جدران الذاكرة
الزمان: المطر.....الشمس... وجه أبي ..وابتسامة أمي ..حيث كانت الأشياء تحمل رائحتها الخاصة بها.
اللحظة: ذاكرتي تمتلئ بالورق بمختلف أحجامه، ورائحتي صارت تشبه عاصمة مكتظة بملامح زوار غرباء عنها، يقولون أنهم جاءوا ليروا كيف أن لون الشمس هنا يحمل شكلاً آخر.
!
في البطاقة الشخصية صورة تشبه تلك التي تقابلني في انعكاس النافذة التي أجلس إلى جوارها، لا أشعر بالاطمئنان كثيراً، فحزين شعورك أنك أنت ولست أنت! ملامحك تحمل تفاصيل ميلادك، وذاكرتك تغترب كل ثانية وابتسامتك تستوردها عندما تقتضي الحاجة، تعلمت تلك الابتسامة من أحد محاضرات العلوم السياسية، حيث شرح لنا الأستاذ كيف أنه ليس بالضرورة أن نبتسم بكامل رغبتنا في مواقف معينة، فالوطن فوق كل شيء ، ولذا لا بأس أن نصافح ونبتسم لأعدائنا من أجل المصالح الوطنية، مسكين يا وطني كل هؤلاء القوم يبتسمون عنوة من أجلك ليمرروا مصالحهم!
في ميلادي الخامس والثلاثين أخبرتني صديقتي بأنه من المجحف أن ننتظر للوظائف الحكومية التي لن تأتي إلا بعد أن نتحول إلى شواهد قبور، وعرضت علي أن نبدأ مشروعنا الخاص، مثلاً يمكننا أن نبيع البطاط، فكرت جدياً بما قالت، ولكني وجدت كل الجولات تحمل شخوصاً يجرون عربات تحمل البطاط الذي يبيعونه طيلة اليوم، تساءلت في سري: ترى أي شهائد تحملها هذه الملامح التي أنهكها الانتظار؟، اقترحت عليها اليوم التالي لو أننا نبدأ بتجارة لبيع الحقائب النسائية، فرحت صديقتي كثيراً وبدأنا بإعداد خطة، ولكننا اكتشفنا أنه لا يوجد سوق سيقبل حقائبنا بأسعارها التي قد لا تنافس البضائع الصينية، في المساء سمعت نشرة الأخبار تقول أنهم سيشجعوا الاستثمار المحلي لرفع الدخل الوطني، قهقهت في سري: عن أي استثمار يتحدثون وأسواقنا ثغر مفتوح لكل ما هب ودب!
ألمح التقويم الذي بدا شاحباً لكثرة ما علق به من الغبار، فقل ما أنتبه لوجوده ،لانشغالاتي المتكررة بالأرشفة وترتيب الورق،يرتسم تاريخ نهاية الشهر في عيني بفرح ويتزامن معه صوت المسؤول المالي وهو يناديني لأستلم (معاش) الشهر.
أتلمس النقود وأنا أحشرها في الجيب الخلفي لحقيبتي المترهلة، لا أدري لماذا تذكرت جيب والدي، ذلك الجيب الذي دائماً ما يكون مفرغاً إلا من بعض الإفلاس التي نحاول أن نستدرجه ليعطينا إياها عندما ينقص الخبز أو البطاط أو الطماط ، يُدخل أبي يده في ذلك الجيب ويلويه طويلاً ، وننتظر أن يُخرج منه شيئاً، ولكن في الأخير نذهب ونشتري الأشياء ويدونها البائع كدين يرسم هالات سوداء على أحداق والدي...
كنت أحياناً أعتب على ذلك الجيب الطويل، وأتخيل أنه يلتهم نقود أبي ويتركه حزيناً، لم أدرك أن الحياة كانت تعقد صفقات سرية مع ذلك الجيب الخائن لنشتري الحلوى، ويترك أبي للدين من أجل الخبز!
كل نهاية شهر، يزورني الوطن بوجهه الشاحب، ويسألني عن جيب حقيبتي التي لم تختلف طبيعتها عن طبيعة جيب والدي، ولكن أخشى أن أكتشف يوما ما أن هذا الجيب ليس سوى وطن نخبئ فيه أحلامنا، ثم تستهلكها الحياة وتتركنا هالات رمادية تنتظر مجرد وظيفة حكومية!!

الخميس، 27 ديسمبر 2012



 قراءة نقدية في نصف مواطن محترم


شدني العنوان كثيراً عندما تصفحت خبراً يفيد بأن كاتب الرواية يعتبر أول عربي تدرس أحد روايته ضمن برنامج دراسي في استراليا، بدأت بالاطلاع حول أعمال هاني نقشبندي، وشدتني العناوين المتنوعة لروايته البديعة، غير أن عنوان هذه الرواية بالذات جذبني لعالم القراءة في موسوعته، فأبحرت فيها وتفاصيلها التي أجابت عن تساؤلات كثيرة حول ثوراتنا التي لم تنتهي بعد.
رواية نصف مواطن محترم، من الروايات التي لخصت مشهد الثورة وغضب المواطن البسيط بأسلوب ساخر، ولكن من زوايا عدة، فزاوية الحاكم المتسلط رئيس المحفل وصندوقه السحري تجسد لنا عنجهية الحاكم العربي وجبروته المصطنع الذي يسقط كل لحظة من الخوف، ويعتمد على البطش في استمراره، كما تأتي زاوية الأتباع (أعضاء المحفل) لتلخص لنا دور الحاشية التي تغري الحاكم بمزيد من البطش والجبروت، ودور الحكيم الذي يعتبر صوت وحيد ومنبوذ في المحفل، كما يحدث في البلدان العربي، فالحاكم لا يسير الوضع إلا وفق السياسات التي تضمن بقاء حكمه، وأعجبتني شخصية(عضوة المحفل) التي ينقل الكاتب من خلالها السلام الذي تطمح له المرأة بطبيعتها، وزاوية المواطن البسيط الذي يعتبر بطل الرواية ككل.
تقع الرواية في فصلين، يتحدث الأول بشكل مفصل عن المحفل الذي يعتبر فكرة رمزية للعالم المخملي البعيد الذي يعيش فيه الحاكم، وماذا يدور هناك، كما يسلط الفصل الأول الضوء على شخصية المواطن المسكين الذي يجسد الشعب ومعاناته من انعدام أبسط الحقوق، كما تسير بنا أحداث الرواية بشكل قريب من معاناة الشعب الذي نعيش واقعه وفصوله، من فساد الرشوة حتى في الجنب الصحي، من الثورات التي تشطرت بسبب الجهل، فكما يهتف هنا أناس من أجل حقوق يهتف هناك أناس من أجل الحاكم! تماماً كما يحدث في واقعنا المعاش، وفي الفصل الثاني  والذي حمل عنوان(عضو جديد) ويتحدث  بشكل مفصل عن معاناة المواطن الذي قبض عليه بتهمة خيانة الوطن وبالعمالة وبامتلاك جهاز خطير يهدد أمن الوطن، رغم أن جهازه الخطير لم يكن سوى غسالة الملابس المتآكلة التي يحاول أن يصلحها من أجل زوجته المتعبة، كما يثير هذا الفصل تساؤلات حقيقية لدى القارئ حول ما الذي يمكن أن يقوم به أي مواطن عادي إذا وصل لسدة الحكم، هل من الممكن أن يكون كبطل هذه الرواية، أم من المكن أن يكون حقاً بطلاً أسطورياً يستطيع التغلب على سطوة ولذة ملمس كرسي السلطة؟
الرواية على مستوى الفكرة تعتبر فكرة اعتيادية نعايشها في واقعنا، غير أن تسلسل الأحداث والانتقال بين زوايا الشخوص التي تمثل تلك الأحداث أضاف طابعاً درامياً ابداعياً للفكرة ،خصوصاً عندما يتيح للخيال مساحة واسعة من حيث الوجود في النص، من ناحية الأسلوب، تدور الرواية بشكل متوازي بين الراوي الداخلي والخارجي وفق ما يقتضيه الحدث، غير أن الحوار هو الأسلوب الذي طغى على مشهد الأحداث ككل، ربما لأن الكاتب يريد أن ينقل صورة ما يحدث بألسنة تلك الشخوص لتكون أقرب للواقع.
أبدع الكاتب في اختيار الشخوص ، سواءاً من فئة السلطة أو من فئة الشعب، فمن ناحية السلطة، يأتي وصف أعضاء المحفل ليقرب الصورة أكثر بشكل يكاد يتطابق مع الواقع بشكل درامي، أما من ناحية الشعب، فالمواطن بطل القصة لم يحمل اسماً ليكون هو كل واحد منا، مع اختلاف الأحداث وطريقة التصرف، كما أن تسلسل الأحداث وانسانيتها يخلق جواً حميماً بين القارئ والنص، حتى لكأن القارئ يشعر أنه هو المواطن المسكين هذا ، غير أن الخاتمة الصادمة تجعلنا نعيد حسابنا بالاندماج الذي كنا قد كوناه مع شخصية المواطن، وأعتقد أن الخاتمة على رغم قتامتها إلا أنها تعتبر خاتمة جديدة وموفقة، لأنها تخلق تساؤل عميق لدى القارئ، هل بالفعل يمكن أن يتصرف أي مواطن بهذه الطريقة فيم إذا وصل لسدة الحكم؟!! الواقع يخبرنا أنه ربما يكون أسوأ من ذلك، فحكامنا العرب وصلوا من رحم معاناة الشعوب ومع ذلك اضطهدوا شعوبهم!

الخميس، 13 ديسمبر 2012


حارة الضبوعة



الوقت يتعلق بين عقربي الساعة وهو يرى آخر وجود له في حياتك اللحظة
أتساءل: بأي كف التهم الموت نداك؟
هل كانت أنفاسك الأخيرة....بدفء قلبك أم ببرودة الفقد
لا أدري
ولا أريد أن أدري
اسأل فقط لأمارس هوايتك الجميلة في طرح الأسئلة، وأنت تطلين علينا  من شرفتك المليئة بالستائر حتى لا يرى ظلك أحد
تسألني: هل عاد؟
هل ثوبه نظيف؟
هل هو جائع؟
هل يريد شيئاً.......
أكره المرأة عندما لا تكون إلا أنثى
ولكنك يا (أنت) لم تكوني مجرد أنثى، وإن كانت حروفك معظمها لا تخرج عن طور ذلك المخلوق الضعيف
أتعجب، كيف لم تبك وقد دفنت نصف أطفالك في مقابر مختلفة!
كانت أمي تهمس كما أحداقك همست لي: لأني أم.
وهل تعبر الدموع عن الفقد!
صحيح....
سؤال ساذج، ولكن النساء قاطبة يمارسن تلك الطقوس في حضرة أي فقد، فكيف إذا كن أمهات...والفقد هو موسم حصاد لأطفالهن!
أتعجب وحسب!
صوتك الجهوري لم يكن جزءاً من الذاكرة وحسب، وإنما من الحاضر والمستقبل، فأنت لست مجرد أم كما قلت، أنت (جيل) من الصبر، ونهر من الحنان، وقلب من الحب...
لم تحبي أن نتحدث معك بتلك الطريقة، كنت تحبين الصرامة في كل شيء، حتى في طريقة ضحكتنا..
وكنا دمى سمجة لا تفقه معنى حروفك الجميلة...
في السابق، أتذكر وجهك ولون الطين المتسخ على ثيابي، النظرات الحارقة التي تقذفني بها أمي، وعصاك الطويلة التي تقف بشموخ أمام عيني لأرتجف...ثم يأتي صوتك الجهوري(العصا خرج مع أبونا آدم من الجنة) ولازالت أختي الصغيرة ترددها إلى اللحظة بطريقتها المحببة، ثم ننتظر العصا ومصيرها المشؤم فوق أكفنا، ولكنها تهجع إلى جوارك غاضبة، وأنت تضربينا بتهديدك وحسب، كنت أقرأ حباً جماً لنا في عينيك، وصرامة كبيرة سرعان ما تتسرب بعد أن نبدأ اللعب أمام ناظريك..
لا أتذكر أنك قد تجاوزت حد التهديد بعصاك الطويلة تلك، ثم سرعان ما تصنعي لنا الخبز والبيض والحليب، وتعطينا ربع الريال لمن سيأكل أكثر حتى نكبر أسرع..
سؤال نسيت أن أسألك إياه في زمن البشر: لماذا لم تملي قط من نظراتك الحنونة تلك، لم نكن خمسة، أو عشرة ، أو عشرين....كنا أكثر بكثير، وكانت أحداقك تخبرنا بلغتها الشفيفة أن لكل واحد منا حق عندك، لن تبخلي به، اعتدت في أزمان أخرى أن أنتظر هداياك الجميلة، خشيت في أحد الأصياف أن تعطيني بيضاً وحليباً كما كنت طفلة، وإن كنت تستثنيني دائماً –من بين الأطفال- في شرب القهوة بسبب صوت بكائي المزعج، كانت هداياك تلك تشعرنا بقيمتنا، بكيف صرنا في عينيك، فالبيض والحليب للأطفال حتى يكبروا هكذا تعلمت منذ أن درست في مدرسة بلال،والألعاب والحلوى منذ أن انتقلت لمدرسة أخرى وبدأت أدرس حروفاً أكبر، كنت تخبرينا أن الحلوى ليست مجرد هدية للتشجيع، وإنما تساعدنا أيضاً على الحفظ ،وكنت أحفظ نصائحك كآيات، وأعتقد موقنة بأن البيض الذي كنت أشربه في المرض هو العلاج الحقيقي وليست تلك الإبر الكثير والحبوب الملونة...
شعرت أني كبرت حقاً عندما أهديتي لي فستاناً يشبه قامة أمي، عرفت عنها أني كبرت كثيراً، بحيث صرتي تريني هي، وكبرت أنت ولم نكن نهديك إلا ابتساماتنا التي تكبر أكثر فأكثر، كانت هداياك الجميلة تعمينا عن حقيقة مؤلمة، تلك الحقيقة أشد ألماً من ذلك اليوم الذي منعنا فيه من اللعب في الجبل، يومها سألتك باستنكار: لماذا؟
ولم تجب أمي، وتوليت أنت المهمة، وكدت أنسى كل الهدايا ولا أذكر إلا الجبل والطين، أخبرتني أني صرت كبيرة، وأن ظلي كظلك كظل أمي، لا يصح أن يمارس لهو الطين، فكما أحب الهدايا أن تناسبني يجب أن أتقبل أن الألعاب الجديدة التي سألعبها في الحياة، ....أشكرك غاليتي أنك قدمتها بطريقتك الجميلة، لأن المجتمع كاد يقدمها لي كالأخريات بطريقة لا يصح تخزينها في الذاكرة...
بمرور الوقت، صار بإمكاني أن أجلس إلى جوارك وأشرب القهوة معك، وأحمل تلك العصا المخيفة، لم يكن ملمسها مخيفاً كما زعم أحد أطفال العائلة، ولم تكن تتحرك بالليل كما كنت أتخيل، ولم تكن تخبرك بأسرارنا كما كانت  تقولين لنا في زمن الطفولة، لقد كانت مجرد عصا جميلة رسمت في الذاكرة صوراً لن نمل من تأملها..
.......................
سأخبرك بأسراري كلها الليلة،قد لا تسمعيها بمفهومنا السطحي، ولكنك ستسمعيها بطريقة ما،ربما بطريقة العصا السحرية التي تخبرك الأسرار، وربما بمجرد النبض الذي أحمله ولا تحملينه ولكنك كنت تحسنين الإنصات إليه، أو ربما بمجرد التفكير....لقد كنت بارعة في ذلك، وكنت أخاف أحياناً من طريقتك في التفكير وتساؤلاتك الكثيرة حول تلك الملامح الصغيرة التي تبعثرت في الحياة بعد أن كبرت ولم تعد تتذكرك أو حلواك إلا في المناسبات، وتهمسين: الدنيا مشاغل...الله يعين الجميع.
جدتي
لم يعد للقهوة مذاق.... ؟
ولم يعد للوقت قيمة....؟
ولم يعد أحداً  ليسمع نكاتي السخيفة؟
ولم يعد أحد يهمس في أذني:  وين رحتي!....خليها على الله يا بنتي...
لم يعد صوتك الجهوري -الذي صار نحيلاً كوجه هذا الزمان- قادراً على أن يبعث الروح في تلك العصا الساكنة فوق سريرك، لم يتعلم أطفال هذا الزمان دروس الحب والصرامة من عينيك، لقد صاروا يرون العصا مجرد عصا كما يعلمونهم في المدارس، حتى البيض والحلوى صار مجرد سلع على سفرة الطعام أو في الدكان!
ولم تعودي أنت يا جدتي في نظرهم كما كنت، أما في نظري، فمتأكدة من أنك تحفظين ملامحنا الجامدة أكثر من صوتك المتألم، وتبتسمين لكل الوجوه دون استثناء لتخبرينا أنك بخير، ونبتسم بطريقة سامجة لأننا قرأنا تقرير الطبيب الذي يفيد بأنه ليس كل بشر يتقن الحب؟
فما معنى أن تبتسم وأنت تدرك أن الموت رابض فوق رأسك! معناه فرار من الواقع!! أم معناه بالطريقة المحلية (مغالطة)!!
معناه بالنسبة لي ولك(حب) فالموت كما كنت تخبرينا لن يأتي إلا بوقته، ولذا لاضير من توزيع ابتسامة أخيرة هنا وهناك لترسم ابتسامات أجمل في الفترة التي قد لا تكوني موجودة لتزرعيها....
............................
صوت المحاضرة يعلو، وأخرى تهمس لي(عظم الله أجركم) ويزورني وجهك بردائه الأبيض وابتسامته الأخيرة،و رائحة الموت التي تسكن المكان كما تقول ابنة خالتي  تقتحم علي صبري، أحاول أن أقلدك كما كنت أفعل في شرب القهوة، ولكن ثمة فرق كبير بين أن تقلد في شرب قهوة وبين أن تموت ألف مرة،أنظر إلى زاويتك المفرغة إلا من رائحة الحب التي تسكن الذاكرة، الوجوه الجامدة والباكية على حد سواء، وصوتك في زمن ماء(يا ابنتي ...لن نخرج إلا برداء أبيض) ما أجملها عندما نطقتها وما أشد ألمها عندما ارتديتها، لم تخبريني يا جدتي أن الحروف قد تقتلنا إذا ارتديناها، فمكانها فقط في الألفاظ وليس في الجسد....كنت أمية، وكنت حمقاء، وكلانا أحبت الحرف، فشغلت أنا به، وشغفت أنت به...فشغف بك!
.........
لن أبكي
لأنك قلت أن كل النساء(أم) والفقد سنة في الحياة، فهل تغني الدموع شيئاً إذا كان هذا الفقد فلذات أكبادنا....كيف يا جدتي إذا كان الفقد هو كبدنا ذاته!!!

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012


عبيد بصيغة محترمة



سامحيني يا أمي على أمنياتي الغبية....
كنت تقرأين في عيني الصغيرة فرحاً وأنا أحمل حقيبتك الجامعية، فتهمسين لي بشرود: إنها ليست بتلك الروعة...
العبي يا طفلتي، فموعد الحقيبة سيأتي ...سيأتي
سامحيني يا أمي يوم استعجلت فتح جديلتي من أجل أن أشعر أني صرت امرأة...
يومها مررت يديك في تلك التعرجات وهمست: ستشتاقين لعصر الجديلة، فاستمتعي بهما أكثر...
سامحيني ...لأني ركنت همساتك جانباً ولم أركز إلا على ملامحك المجهدة..، كنت أشعر أنك عظيمة بقدر تلك الابتسامة المتعبة من هموم الحياة، واعتقدت جازمة أن حقيبتك هي السر وراء تلك العظمة التي تحفك بجمال بديع...
اليوم...
ها أنا أحمل الحقيبة
وأسير بخطوات رتيبة إلى ملامح مقفرة
تشبه يا أمي شهود المقابر بصبغات جديدة، وهل تعيد الألوان الروح للوجوه الميتة!
تشبه لون حزني على جديلتي التي تركتها في زمن همساتك الشفيفة..
وتشبه الفراغات الكبيرة في ذاكرتي، التي لم أعد أستطيع أن أملأها باللعب، لأني صرت امرأة تحمل حقيبة...
نسيت أن أخبرك يا أمي، لم أعد فتاتك الجميلة التي تحبين بسمتها، ولم أعد نسخة من عينيك المجهدة التي لطالما اشتقت أن أحملهما في ملامحي، لقد صرت شبحاً بألوان جديدة!
هنا يا أمي...
سرقوا مني حتى الأحلام....
وحروفي الجميلة....صادروها
وتفكيري النقي لوثوه
الحسد هنا لغة رسمية، والحقد نظرات مألوفة حتى لو لم تفعل شيء!
واللامبالاة طريقة فاعلة لتفريغنا تماماً من إنسانيتنا..!!
تخيلي..
أن أحلامي صارت بحجم..(حبة البازلياء)!
في الواقع...لم أعد أحلم!
ألم أخبرك أنهم جعلوا مني نسخة مشوهة لكل شيء كنت أحمله..
أحاول أن أتغلب على أحداقهم الغامقة، ولكن.....
حقيبتي فارغة، وتهمس لي بفحيح...نريد أن نعيش!
....
مؤلم يا أمي ....أن نفقد ذواتنا في سطور الآخرين
أن تتوه ملامحنا في ابتساماتهم الساذجة...
أن نكتشف أننا صرنا نسخاً قميئة مثلهم!
في لحظات كهذه...أتمنى أن أسكن شاهد قبر على أن أكون ما يريدون..
فهل أمنيتي هذه يا أمي أيضاً مخيفة!!
لقد صرت أخاف حتى من الأحلام...صرت أخاف من التفكير..
وصارت الكرة الأرضية كلها حقيبة لا تكف عن التهام الأحلام من أجل حفنة من المال!
لماذا لم تخبريني ...أن العيون المجهدة تعني موت مبكر!
ولماذا لم تخبريني أن الشعر المتعرج يعني أنثى فقدت جمالها لضيق الوقت!
ولماذا لم تخبرني.....أن لعبة الحياة أخطر من لعبة الاستغماية، وأعنف من ارتطام كرة قوية في وجه المرء، وأشد ألماً من فقدان دمية في الحي ثم إيجادها بدون رأس؟!

الاثنين، 26 نوفمبر 2012

 
(انطفاء)


لا يوجد شيء يدعوا للفرح إلا شكل أجنحتك الجميلة
تشبهين صباحات الأيام المبتسمة
وتتقنين الحديث بلون قفزاتك الرشيقة في أحداقي
أتأملك بشرود
كم أنت جميلة!
لا أحد يراك-عادة- إلا في لحظاتك الأخيرة
ربما لأن البشر يحبون أن يقرأوا الخواتم فقط...
لذا لم يأبهوا لسكناتك وحركاتك البديعة
الحقيقة أنهم حتى لا يأبهون لأنفسهم إلا في النهاية
هل أخبرك عن سر...
هذا السر يتقنه أكثر الفقراء
صحيح أنهم يشعرون بالسعادة عند سماع الموسيقى
ولكن تلك الموسيقى لا تقتل المرض أو تنهي الألم
إنهم يشبهونك في حماقتك الأنيقة
لا يعترفون بالألم، ولكن الموت يعترف بهم ....
ولا يعترفون بالحاجة إلى الطبيب....
لأنهم يتقنون الدوران حول(الأمل)
هذا ما تفعلينه أنت بالضبط
يا سيدة الجمال...أنت تعلمينهم بوحيك الندي أثناء انطفاءاتك الكثيرة
بالنسبة لي لم أحفل بك قبل اليوم
وتذكرت مذاق قلبي المتألم الذي لم يجد ثمناً لطبيب يفحصه...
ومع ذلك يضل يقلب أحداقه حول الشمس، يبحث عن أمل ما..
وفي قرارة نفسه يدرك أن الآلام الحادة التي تزوره في الليل لن تسكن إلا تحت شاهد قبر كبير
يتمنى لو أن ذلك الشاهد يحمل لون أجنحتك وحسب...
أجفل للحظات وأنا أقرأ قدري الذي يذوب تحت انصهار أجنحتك البديعة
كلا...
كيف يمكن أن تختفي ألوانك بهذه السرعة!
أنت حتى لم تشهقي شهقة الموت...
كيف لك أن تودعيني هكذا أثناء رقصك الرشيق..
الشمعة مقصلة الحب إذاً...
كدت أهيم في أمل جديد وأقحم قلبي في تجربة بعيدة عن الشمس...
على الأقل ربما استغرق موتي بأمل الشمس حيناً أطول...لأنها تقطع مسافات شاهقة لتخلق ذلك الأمل ...
أما الشمعة!
لا أريد أن ألومها لأنها لا تحمل إلا الضوء كما لا تحملين أنت إلا الألوان...
لكن أحياناً تقتل الأشياء الجميلة أشياء جميلة أخرى...وتبقى لحظة الطعنة الأخيرة..
ليتك شهدت موتك في أحداقي...
لم أدمع
ولكن بكت الشمعة طويلاً
لقد كانت تلسعك لأنها تحبك
تريد أن تستمتع أكثر بقفزاتك الفرحة
ضننت لوهلة أن تنبيهاتها مجرد إغراء...
ليتك تعلمت الفهم كما تعلمت الرقص!
تستغرق الدمعة في نحيبها ...وتحاول أن تنقذ ما تبقى من ألوانك التي غادرت روحها....تدفعك بعيداً....
ثم تنطفئ كمداً
أبقى أنا في الظلام أتذكر.....
كيف سيكون انطفاء قلبي الأخير...
وهل ستبكي علي الشمس كما فعلت الشمعة...
لا أدري
كل ما أعرفه أن الألم لا يزال يسكن قلبي
ولا أدري متى ينطفئ!




الجمعة، 16 نوفمبر 2012


رحلة أخيرة


رائحة السماء تشبه لون ملامحك الندية، وتشبه وقع خطواتك الباسلة، وتشبه عيون قبة الصخرة وهي تقبل الشهداء واحداً تلو الآخر، تلك قصة فلسطين التي تقرأها الأجيال منذ عقود، وتدرس في المدارس، وفي خيام اللاجئين، وفي الذاكرة العربية التي تحسن النسيان، وكنت منذ طفولتك تقرأها بحروف أخرى، كنت تعرف أن أي قضية لا تعيش إلا بأرواح معتنقيها، وكنت تؤمن بأن رحلة الخلود لا تحتاج لتذكرة سفر معدة مسبقاً بتاريخ عودة أو ما شابه، إنها حتى لا تحتاج لملامح للتأكد من الهوية، كيف وإن كنت بلا هوية حتى في بلاد العرب أوطاني!
لم تتقن اللعب كأقرانك من أطفال البشر، لأنك كنت طفل من فلسطين، وهل يحسن أطفال فلسطين غير الابتسامة والألم!
وفي شبابك لم يكن للحديث الساذج مكان بين حروفك، لأن ذلك الحديث لا يتقنه إلا من لا يعيش بغير هوية، رغم ثبوت هويته التي تعترف بها كل دول العالم، على عكسك، فأنت الذي تستخدم كل حروفك لترسم خطة أو أخرى من أجل القضية، فهويتك لا تعترف بالأرقام الضيقة والختوم الملونة، هويتك قضية بحجم الأقصى، ولذا لا يصح أن تتحدث بلا مبالاة كما يفعل الآخرون.
هذا الصباح ليس ككل صباح، دائماً ما تمارس طقوس الشوق للجنة، تتذكر أحبتك الراحلين، وتعيد قراءة خططك العسكرية،لتضمن عدم وجود ثغرة ينتصر بها العدو، ثم تذهب لتتفقد جنود غزة، وتتأمل تلك الصواريخ البسيطة التي تختصر كفاح شعب أعزل إلا من كرامته، تذكر خارطة فلسطين وكيف تقلصت بفعل الاتفاقيات اللاشرعية، وتتأمل مأساة الحصار بصمت، ثم ترتسم تلك الصواريخ بشموخ في أحداقك، وتتذكر مشروع القضية الذي لأجله تعيش.
لم تكن العنوان الأبرز في قضية جلعاد شاليط، أو هكذا قالت وسائل الإعلام المزيفة، ولكن قامتك الشامخة اختصرت بطولتك الفتية بيدك الممسكة لذلك الأسير، وانتهت الصفقة بسجدات كثيرة وكبيرة على صدر أرض فلسطين، قرأتها العيون بشوق وفرح وشكر لكل تلك الأكف النضرة التي شاركت في بطولة التحرير تلك، وكنت الرقم الأصعب في معارك كثيرة لا يتابعها العرب، ولكن يكفيك أن تتابعها الحبيبة فلسطين.
كعادتك تذهب وتجيء متخفياً من أجل مشروع القضية الذي بدأته في صباك، وكعادتك تبتسم وقلبك هناك، حيث الأحبة، وموعد الرحلة الأخيرة، كل يوم ترحل عيونك إلى الأفق تفتش في الذاكرة عن درس فلسطين العربية الإسلامية، عن قبة الصخرة التي قد تسقط بين لحظة وأخرى ، عن شواهد قبور الشهداء وكيف صارت زروعاً بدل أشجار الزيتون المقتولة بجرافات المحتل،وعن جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
ينطلق صاروخ الموت من جوف الحقد الدفين، ويقطع رحلته بين اللحظات ،كان يظن أنه بموتك سيقضي على الخوف الذي يسيطر عليه، أو ربما ظن لوهلة أن بموتك ستخاف صواريخ غزة الأبية ولن تتحرك، نسي ذلك الصاروخ درس أحمد ياسين والرنتيسي، نسي ملامح عياش وعقل، ونسي ابتسامة ريان وشحادة، وظن أن الأمر سيجدي معك!
هي لحظة فاصلة ما بين الحياة والموت، هذا بالنسبة للبشر العاديين، ممن يدمنون انتصارات التاريخ وحسب من أولئك العربان، أو ممن يتقنون نصرتكم بالصراخ والدموع! لكن الأمر مختلف كلياً بالنسبة لمن سيذهب في نفس رحلتك الأخيرة، فاللحظة الفاصلة بين الموت والحياة –هنا- حياة، وما تلك اللحظة بدويها إلا شكل من أشكال الاستعداد للانطلاق في رحلة الخلود، حيث لن تحتاج لهوية ومطابقة الصور، فالسماء تعرف سكانها مسبقاً،وملامحك التي قطفها الصاروخ الحاقد قد نبتت مجدداً في الجنة، حيث تستطيع أن تلتقي حقيقية بأولئك الذين لطالما فتشت عنهم الأفق..
رحلتك الأخيرة بالنسبة لنا فرح مشوب بكثير من الحزن والفقد، ولكنها بالنسبة لك ولبقية الشهداء رحلة خلود لا يكتنفها إلا الفرح والسرور.

الأحد، 11 نوفمبر 2012


كلام بلون الصمت



أقدامك تشبه الوجوه المبتسمة
معلمة التعبير لن تقبل تعبيراً كهذا
وربما مربية الفصل تعطيني صفراً بالسلوك! لأن والدة طفلة ستأتي في نهاية الأسبوع وتؤكد على أن ابنتها المدللة بكت عندما وصفت وجهها بشكل أقادم السماء..
قرصة المعلمة على أذني لم تزدني إلا صموداً باعتناق ذلك التعبير..
نعم وجوهكم كلها أقدام.
لم يحدثني الفصل لمدة أسبوع كامل، ولم تأتي والدتي لتشرح لهم أن لون أقدام السماء من أجمل الألوان..
وبمرور أسبوعين من الفصل صارت المعلمة تتعمد وضعي في نهاية الفصل حتى أبتعد من النافذة ، ولا أنظر للسماء التي تلهمني ألفاظاً نابية لا تنفع للتعبير!
في نهاية الدرس بكيت كما لم أبك من قبل، وظنت المعلمة أن تبت ، لذا سمحت لي أن أقدم اعتذاري للجميع حتى أعود مكاني، وقفت أمام الجميع، لكني تلك اللحظة لم أعد أراهم مشرقين كأقدام السماء، لقد كانوا كوجه الأرض....(موحلين)
لم أستطع أن أعتذر لهم، ولذا طردت من تلك المدرسة، ولكني عيناي لم تطردان أبداً من بوابة السماء.


الاثنين، 5 نوفمبر 2012


قراءة نقدية في بنات الرياض
القصة أو- السالفة كما أسمتها مؤلفتها رجاء الصانع- لا تصل إلى الحجم الإعلامي الذي أثارته في الساحة الأدبية، ويبدوا أن الكبت السعودي وندرة الأقلام النسوية السعودية كانت كفيلة في خلق تلك الهالة الضخمة التي أرى أنها قللت من قيمة العمل على بساطته، ولأننا اعتدنا بمنظورنا العامي أن نرى تلك الأشياء البسيطة بشكل أجمل خصوصاً إذا لم يكثر الحديث حولها، لكن أن يكثر الحديث حولها بشكل لا يليق بمكانتها المتواضعة فهذا يقلل من قيمة العمل الفني وإن شهدت له مبيعات السوق أو القنوات الإعلامي، لأننا بمرور الوقت يمكن أن نفرق بين تلك الهالة الفجائية وبين قيمة الحرف عندما ننتهي من قراءة أي عمل أدبي.
بالنسبة لي أعجبت بأسلوب الكاتبة كثيراً، فهي وإن لم تكن أديبة محترفة في مفرداتها إلا أنها استطاعت أن تنقل الجو الذي يناسب القصة التي أوردتها، بغض النظر عن القيم المبالغ فيه في متن الفصول، وأحي فيها نقطة التفاعلية التي أوردتها ضمن متن السرد، حيث أوضحت بأن عملها عبارة عن رسائل(بوح) بحقائق كبيرة، الجانب التفاعلي خلق للقصة مزيج من الفكاهة والتشوق لمعرفة شخصية الكاتبة، وعلى الرغم من أني عرفت شخصية الكاتبة قبل أن أقراء قصتها إلا أني كنت كل يوم اكتشف فيها شخصية مرحة من خلال تعليقاتها الساخنة على الردود الأسبوعية لرسائلها تلك،من الناحية الأدبية تضمين تلك النقطة التفاعلية يجب أن يورد بأسلوب غير مباشر وهو ما نسميه(الراوي الخارجي) لكن الكاتبة اعتمدت على تضمين ردودها بشكل مباشر، وبررته بأنها حكايا صديقاتها التي تروي هنا –هي- بالنيابة عنهن.
تقع القصة في خمسين رسالة، تعتمد فيه الكاتبة على أسلوب المقدمة المقتبسة من موضوع يناسب موضوع السرد الذي سيورد في الرسالة، ومن خلال تلك المقدمات يستطيع أن يلحظ القارئ الثقافة الأدبية التي تلم بها الكاتبة على عكس مارآه البعض في أن القصة ملفقة لأنها تستنسخ أعمال قديمة جداً لم تعايشها الكاتبة! متناسيين أن الحرف ليس له عمر محدد في الزمن الذي نستخدمه في أعمارنا،تعتبر القصة ، قصة اجتماعية بحتة كونها تتحدث عن مشاكل اجتماعية وعاطفية لمجتمع ما،والفكرة الأساسية التي تتحدث عنها القصة هي(الحب المفقود) في المجتمع السعودي،وتدور كل الحبكات حول ذلك، من خلال الشخصيات الأربع الأساسية تحاول الكاتبة أن تقول ما يحدث من أعمال يستنكرها المجتمع وتمارسها بصمت مختلف طبقاته، وإن كانت تركز على ما يسمى الطبقة المخملية.
الزمن والمكان، يردان وفق الأحداث، ولكن من خلال السياق يتضح أنه في عصر التكنلوجيا، حيث تضمن بعض الأحداث قصص الشات وتجاوزاتها، وبعض البلدان التي تحاول الكاتبة من خلالها نقل صورة مقربة عما يدور في ذلك المجتمع من وجهة نظرها، حيث تصور لنا فكرة الملامح التي ترتدي السواد أو العقال على حد سواء قبل الدخول في الأجواء الوطنية، وكيف أن ذلك يمكن أن يخلق حالة انفصام في الشخصية كما يورد على ألسنة أحد الشخصيات.
يمكن أن نرسم ثلاث خطوط أساسية لهذا العمل، حيث تأت الاقتباسات في الجانب الإيجابي كونها تعمل على التمهيد للقارئ حول ما سيدور في الرسالة القادمة، كما أنها تعبر عن مدى إلمام الكاتبة وثقافتها الأدبية، أما والجانب الثاني يأتي في الحياد، بحيث يمكن أن يقرأ كنقطة إيجابية أو سلبية، وهي نقطة إفراد رسالة كاملة لأحد الشخصيات، وعدم التوازن في حجم كل رسالة وأختها، ولكن كونها وضحت أنها رسائل فهذا يجعل الأمر في خط الحياد، أما الجانب الثالث وهو الجانب السلبي، وأبرز نقطة في هذا الجانب هي اللغة العامية، وإن كانت وضحت طريقة نطق ومعاني بعض الكلمات، إلا أن العمل الأدبي الناجح هو الذي يمكن أن يقرأه أي شخص يتحدث العربية وليس لهجة بعينها، من ناحية أخرى المبالغة في الأحداث الغرامية، حيث نقرأ واقعاً مخالفاً للمنطق تماماً، قد يقول أحدهم أن الفن لا يعرف حدود المنطق، سيكون ذلك صحيحاً لو أن الرواية كانت عامة، لكن أن تحدد فئة من العنوان ثم تتجاوز كل خطوط الواقع فهذا يعد أمراً مخلاً بالعمل الفني.
أحي الكاتبة على جرأتها في نقل تلك المفردات التي يواريها البعض ويمارسها ولكن ليس بالحجم الذي-هي أوردته، وآسف من ردة الفعل الدينية تجاه هذا العمل، إلى درجة أن بعض الشخصيات الدينية الكبيرة تحدثت فيه بعنف وأعطته قيمة أكبر من قيمته، متناسيين ان العمل الأدبي يبقى عملاً أدبياً وليس واقعاً إلا إذا سرد حقائق بوثائق كما يحدث في الروايات التاريخية، كنت متحمسة جداً قبل وأثناء وبعد قراءتي لقصة رجاء الصانع، ولكن بعد رأيت لها مقابلة في أحد البرامج السعودية، ساءتني ردة فعلها، وأعجبت بأحد الردود الواردة أسفل ذلك المقطع(عرفت كيف تركبي الموجة)!!
جميل أن يصل عملها غلى ذلك المستوى من النجاح، لكن الأجمل أن يصبح لوجود عملها معنى حقيقي، غير أن معظم الإجابات التي كانت توردها في المقابلة كانت تناقض تماماً حروفها التي وردت في تلك الرسالة، وتمنيت على الإعلام لو أنه يقوم بربع تلك الحملة لكاتبات  سعوديات أروع بكثير من رجاء الصانع ، ولكن يبدو أن الإعلام لا يبحث إلا عن كاتبة تثير الساحة الدينية بأفكارها الجريئة وإن لم تكن تحمل قيمة فنية حقيقية.

الجمعة، 26 أكتوبر 2012



(لفتة بألوان أخرى)
 الساعة الحادية عشرة صباحاً
اليوم: العاشر من ذي الحجة
أجواء العيد تملأ المكان، وضحكات الأطفال تتخلل تلك الأجواء فتزيدها بهاءاً وجمالاً..
أعود إلى حيث أنا..
إلى حيث العيد بألواني الخاصة
صديقة مقربة تخبرني أنها لا تفرح كثيراً بالعيد، لأنه يذكرها بأنها صارت كبيرة
كبيرة جداً، بحيث لم يصبح للعيدية ،أو الحلوى أي صدى في أحداقها...
يأتيني صوت أمي من الذاكرة وهي تخبز الكعك...
إذهبي وافرحي كثيراً بعيدك قبل أن يفوت الأوان!!
ارتسمت علامة تعجب كبيرة في عيني يومها ، ولكني واصلت لعق الحلوى كما يفعل بقية الأطفال
ليتك يا أمي أخبرتني ، أني بعد أن أتشح بالسواد لن أستطيع أن ألعق الحلوى بذات الطريقة..
وليتك أخبرتني..أني بعد زمن سأصير مثل بقية النساء، ممن يرين في العيد جدول ممتلئ من الأعمال وحسب..
عندها ربما ملأت كل دقائقي باللعب، لأجد مخزوناً إضافياً أتزود منه في أعيادي هذه...
تخبرني معلمة التاريخ أن العيد هو طقس بشري، يتيح للبشر الهروب قليلاً من الأمور التي تؤرقهم، حتى أنه في العصر الحجري ..كانت الحيوانات المفترسة تأخذ قسطاً من الراحة أثناء أعياد البشر..
لكن البشر الآن صاروا مختلفين، لم يعد باستطاعتهم عقد هدنة حتى مع ذواتهم المفترسة، نسيت معلمتي أن تخبرني بهذا السر، ولكن نشرة الأخبار التي لا توقف عن رسم خرائط الدماء في عيوننا..فعلت ذلك.
.....
في الشارع العام، مسن يحمل كيساً كبيراً من المخلفات البلاستيكية، ويحمل فوقها نظرة هم وابتسامة جائع،كان يقرأ الرصيف بعين أخرى، غير تلك التي نقرأ بها طريق عودتنا للمنازل، أظنه كان يفكر هل سيطول الرصيف أكثر حتى يبتعد قليلاً من لحظة الابتسامة الباهتة التي سيرسمها على وجه أحفاده بعد أن يعود خالي الوفاض!
مسكين هذا الرجل، لا أدري متى سيزوره عيده!

مسنة تنعس في زاوية أحد حارات العاصمة، كانت شاحبة كمومياء، لها ابتسامة نصف خضراء، يقرأها المار بتوجس، فلا يدري هل هي من هذا العصر، أم فرت من أحد المتاحف الوطنية، غير أن قطعة خبز جافة -خبزت على الطريقة المحلية- تتمدد إلى جوار يدها، لتخبرك أنها مثلك، ولكن برتوش أغمق قليلاً..
......
لم أنم منذ البارحة، كنت أنتظر شيئاً، ولكنه لم يأتي بعد..
يكاد النوم يغلبني، حتى يأتيني صوتك الساكن..
تخبرني، أنك سعيد، وفرح، وجذل..
تقرأ الدهشة في عيني فتردف: وحزين قليلاً.
قليلاً!! ترتسم في عيني باللون الأصفر الذي يشبه ملامحك البالية، لا بأس، فمثلك يدمن-غالباً- على القات، أو على الأمنيات التي لا لون لها..
أحمل خارطة ملامحك، وأذكرك بأنك تحمل ألوان أخرى، ففيك زرقة البحر، ونقاء الطبيعة، ولكنك تصر على التحدث باللون الأصفر!
أخبرك بأن(قليلاً) ممنوعة من الصرف في واقعنا، لأن الواقع لا يستخدم إلا (كثيراً) من الألم، والجوع..والخوف..والانتظار..
ثم تأتي وتستخدم مرادفة لم نعد نستخدمها، و تعجب أن الكثير منا لم يعد لهم رغبة في الحديث إليك!!
الأفضل أن تتعلم لغة الإشارة، حتى نخطئ في فهمك فنعذرك..
انتظرتك طويلاً يا وطني، ثم تأتي وتقول(قليلاً)!!
وددت لو أنك صمت وحسب، إذاً لخلقت لك ألف عذر في لسان الحائرين، حتى أولئك الذين يحبون التخاطب بلغة الموت بأشكاله، ربما يثنون أسلحتهم الموجهة إذا ماعرفوا أنك لا زلت تحبهم..
تذهب لتكبر معهم للعيد، ولكنك تنسى أن ترى المسنة التي تنعس في قلب الطريق، أو ذلك البائس الذي يبني مملكته من العلب الفارغة، أو حتى ذلك الشاب الذي يرتدي كل الألوان في ملابسه...ولكن قلبه مثلك تماماً فارغاً إلا من الخوف أو اللامبالاة..
سألتفت إليك يا وطني هذه المرة، ولن أراك بالألوان المسبقة التي لونوك بها، أو بلونك الذي ترتديه اللحظة، سأراك بلوني أنا، لوني الذي يجعل منك خريطة تتسع لملامحنا كلها، بعيداً عن الخوف، والقات، والرصاص.
كل عام وأنت بخير يا وطني العزيز.