الأربعاء، 26 سبتمبر 2012


برهة
لقد مر وقت طويل وأنا لا أمسك القلم، ههه...أغرتني إضاءة التكنلوجيا..فصرت مثلهم، أحب صوت الحروف المشنوقة مسبقاً، عجباً!على الرغم من أن عيناي تتذوقان تلك الجمل المنمقة، إلا أني لا أستطيع نسيان حقيقة أنها ولدت من أفواه حروف ميتة !
تبقى متعة معانقة القلم لبياض الورقة إرث للذة تاريخية،ربما كان صوت الريشة أمتع من صوت الخطوط الجامدة للقلم الجاف الذي أتقنا حمله،وربما كان للحبر العربي رائحة تشبه الحروف العربية، وربما كنا سنكون أفضل بكثير  إذا ارتأت حروفنا عوالم الماضي وارتدت حلة القديم لتهب الجديد بعضاً من رونقها.
أعود للحرف....من يحترف مخاطبة الحرف يحترف الحرف صحبته، إنها علاقة أزلية لا تحتاج لعقد أو شهود، لأن الملامح المرسومة في أفق التاريخ حكت عن علاقات عشقية تمت بين الحرف والإنسان، ولذا كان الإنسان مبدعاً كما يكنيه الحرف، ولكنه في الحقيقة ليس سوى أب للحرف الذي أنتجه.
عندما أعيش في زمن الكتابة دائماً ما أحتار عند الإجابة على تساؤل لمن نكتب؟! هل لذواتنا أم للآخرين، وثمة قضية جدلية في هذا الجانب، تحكمها العادات ونظرات الآخرين وأفواههم، والخوف الشخصي،نعم...الخزف الشخصي!فالبعض منا يخاف أن يقرأه شخص ما فيجرد من الألقاب الجوفاء التي حصدها طيلة سنين عمره، والعض يخاف أن يلومه شخص من العائلة أو صديق إذا أورد معلومة مشتركة بينهما، والبعض يخاف من مجرد ذكر اسمه لأن هذا سر بالنسبة له!والبعض يخاف لمجرد الخوف،لكن عجبي لأولئك الذين لا يخافون الموت أو الرصاص ولكنهم يخافون من الحروف!
بالنسبة لي أرى أنه مهما أوغل المرء في فتح طيات صفحاته للآخرين سيبقى ثمة هامش لا يطلع عليه إلا هو، لا لشيء وإنما لأن هذا الهامش هو مساحته الشخصية التي لم يتعرف عليها بعد لا الخوف ولا النسيان.
في كل عام لم نعد نكبر عام،وإنما صرنا كهولاً بملامح فتية ،ولو جلس أحدنا إلى نفسه لهالته كمية الشيب التي تسكن روحه،ففي زهرة عمرنا عرفنا  ما معنى(موت مجاني)، وما قيمة (الكلام بالمفتوح)! وما وجه التشابه بين (الخوف والانكسار)...اختصرنا جسور الألفاظ في عبارات صغيرة...وفي الأخير فقدت معناها!ابتسمنا حتى فقدنا مذاق الابتسامة، وتألمنا حتى صار البكاء مجرد ترف زائل، وصمتنا حتى لم نعد نعرف ما ذا يعني الصمت بالضبط؟!
ورغم كل الآثار الدامية التي خطوناها في الذاكرة، لا زلنا نخطوها! ربما لنتأكد من مذاق الألم مرة أخرى! وقد يكون لمحو آثار ستتجدد بأخرى! لا أدري كيف يفكر البشر بالضبط؟! ولكن كل ما أعرفه أننا عندما نكبر نصير مجرد نقطة بعيدة عما كنا نحلم به في الطفولة.
يا ليتني همست لمعلمة الطفولة أمينة: بأن أمنيتي لم تعد(صعود القمر) وإنما القدرة على زرع ابتسامة حقيقية-فقط- على ملامحي البالية.



الاثنين، 17 سبتمبر 2012

أين الثورة!!!


الآن..الآن...
ثمة شرفة_منها_ تنظرني أمي في لهفة...
ثمة دمعة..
أحياناً تسقط من أختي..
أحياناً تسقط من شمعة..
ثمة اسم-يتهادى- يتردد بين رفاق الدرب
ثمة بسمة..
تعلوا فوق ملامحكم
تتيبس في ثغري فجأة..
في الخيمة كانت أحلامي..
في الخيمة-كنتم- بل كنا!
في زمن الورد
فجر يتبسم في الطرقات
يتقاسم لهفات شتى
لهفة درب...حر عذب
لهفة وطن..
لهفة ثورة.
في الخيمة قد عُلق وجهي...جسدي ...أحلامي..
جف دمي..
وشعارات نتقنها
خطوات أخرى مبتسمة
كنا ندرك أن الشمس لاهبةٌ
لكن ..دافئةٌ ..مشرقةٌ..يانعة كزهور الهمة..
كنا نعرف أن طريق المنزل ذكرى ترتاد الأحلام
مذ صار المنزل خيمة
كنا نفهم أن الحرية قدرٌ
لشعوب حرة.
كنا_يا أمي_ نبتسم...وجلاً أو فرحاً
لا أدري!!
يبدوا أن ملامحكم-أعيادي- تتهاوى في الريح
أطلق صرخة
لا أسمعها!!
وأرى لون دمي (ثورة)
بالأمس نزار..
واليوم (أنا)
وغداً وجهٌ آخر يُتلى
لم أكمل خطواتي الأخرى
لم أخبرهم ذاك اليوم أن دمي
مجرد بسمة
الآن...الآن..
دمي..
أحلامي..
وجهي المشنوق على خيمة
يرقبكم_في وجلٍ_ يتلو ظله..
يتساءل:
أين لون دمي المصبوب!!
أين رفاق الحي!!
أين صوت الخطوات..
أين شعارات الحرية!!
أين الثورة؟!!!

الخميس، 13 سبتمبر 2012


رائحة في الذاكرة
لا زلت أشم رائحة طين جبل( الضبوعة)، حيث أقدامنا تلهو منذ الصباح الباكر هناك، عندما كنت أفتح أحداقي الصغيرة، لا أرى منك إلا بعض المنازل المتراكبة وكأنها حبات رمان، وصباحك القرمزي يصبغ نافذة جدتي بنكهة خبز (الطاوة )التي اعتادت جدتي أن تصنعه لنا لنترك الطين ونجري إليها يديها الحبيبتين.
أحبك كما أنت، كما لون جبالك السمراء، كما جمال ارتفاعاتك التي لا تكل عن سرد تفاصيل وطن يضج بالتفكير، كما بقالة (نصر) الذي علمنا أن نحتفظ بنصف ريال ونتشارك في علبة البيبسي من أجل قطع شكلاة إضافية، أحبك كما لون السيارة الحمراء لخالي الراحل، أحبك بقدر تعاريج الطريق من مدرسة (بلال) الابتدائية إلى الباب الرمادي لمنزل جدي، بقدر الخدوش التي تملأ باب غنم أم موسى، بطعم البطاط حق أم علي، والآيس كريم حق الضالعي، بقدر التفاصيل الصغيرة التي كنت أسرقها أثناء العطلات الصيفية فيك.
وأحب صنعاء التي عشت فيها أغلب عمري، لكن رائحة الذاكرة لا تأتيني إلا بملامحك أنت..ماذا أفعل إذا كانت ذاكرتي لا تحتفظ إلا برائحة واحدة لمكان واحد...ارتبطت به كقلب أمي!
يقولون: لابد من صنعاء وإن طال السفر، ولكني هنا..في قلب صنعاء..ومع ذلك لا أشعر بنبض الحياة، أبتسم لأن الآخرين يفعلون هكذا، وأتحدث وأصمت لأنهم يريدون ذلك، هكذا هي صنعاء..أنثى جميلة، تتبختر بخيلاء أنيق، تستطيع أن تلهمك ألف قصيدة في الثانية الواحدة، وتستطيع أن تجعل منك عاشقاً فجأة، وتستطيع أن تهبك كل ما تملك،وهي كريمة..ولكني لا أريد كل ما تملك..أريد نبضها فقط!
وهذا شيء لا تملكه صنعاء، حتى عدن...أحب ابتسامتها البيضاء، وملامح حبها الكبير بشخوصها الطيبين، غير أني لا أحتاج أن أغوص في المزيد من تفاصيل الجمال الأخاذ كما يحلوا لصنعاء أن تبهرني به، ولا أحتاج أن أتسمر لجمال ابتسامة عذبة ترسمها عدن أو الحديدة أو أبين في أحداقي..أنا أريد(نبضاً) أشعر به ويشعر بي..
وهذا هو الشيء الوحيد الذي تملكه تعز، فكيف ألام بحبها؟!
فنبضها قصير في الذاكرة، ولكن له رائحة مميزة، تشبه الطين الذي لهونا به في الطفولة، وتشبه شجرة ملكة الليل التي ماتت منذ أن غادرناها إلى صنعاء..
همست لها ذلك المساء: ولكنه القدر، أن يكون كل شيء هناك، حيث الجميلة، التعليم والمستقبل والعمل...البنايات والسيارات والشوارع الكبيرة..قرأتها بعيني السياب: يا غربة الروح في دنيا من الحجر...والثلج والقار والفولاذ والضجر..
وكلما كنا نأتي لنسرق بعضاً من هوائها كانت تكرمنا بأمطارها الذيذة، وتزورني عبر(السُجارة الحمراء) لبيت جدي، فأتأمل الجبل والسماء بخشوع جميل يسمعني نبضها أكثر..
يا من يلوموني في حبها...هذا حظي في ما أملك فكيف تؤاخذوني فيما لا أملك!!

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

قراءة نقدية لرواية الخيميائي


عندما نقرأ فإننا نعيش حياة  أناس آخرين، لأن الرواية قبل أن تكون مجرد حروف وجُمل يوردها كاتبها تكون جزءاً من رؤيته-هو- وفلسفته في الحياة، وعبر رواية الخيميائي( لباولو كويلو) نبحر في عالم مليء بالحكمة التي تفلسف الأشياء وفق منظور جديد قديم، فالقديم في سطور هذه الرواية التزامها بكثرة الحبكات كالأساطير القديمة، والجديد فيها أنها تكشف لنا عمق الأشياء البسيطة من حولنا لتدفعنا لتأملها بشكل أعمق يساعدنا على فهم كنهها ، والانسجام معها لأنها خلقت وخلقنا من أجل ذلك.
تزدهي هذه الرواية بكثرة الحكم التي تورد على ألسنة أبطالها، وبالمواقف التي تأتي لتعلم القارئ أن ثمة زوايا في حياتك ستزورك وفق الأقدار، وإذا تمعنت في حياة الألى استطعت أن تقبس الدرس قبل أن تقع في الخطأ، كما تورد هذه الرواية عدة مصطلحات فلسفية تلخص الهدف من وجود الإنسان، حيث تورد مصطلح (النفس الكلية) والذي يعني أن الكون بمكوناته هو من صنع يد واحدة تتحدث لغة واحدة لا يفهمها إلا من تمعن في الكون أكثر وحاول الاقتراب من كنهه، والتنوع القائم في الكون من بشر وجماد وحيوان وفضاء...إلخ ما هو إلى شفرات تبحث عمن يكتشفها لتفتح له أفاقاً أوسع للمعرفة، كما تورد الرواية مصطلح (الأسطورة الشخصية) والذي يعني أن لكل إنسان قصته التي كتبتها الأقدار وعليه أن يبحث عنها ويسير في الحياة ليطبقها، فإن فعل ذلك تضافرت جهود الكون لتمكنه من فعل ذلك، وإن بقي حبيس الخوف البشري بقي نقطة جوفاء في هذا العالم الفسيح، لترقبه الشمس والقمر والنجوم بلا مبالاة فلا قيمة لأولئك الذين يحبون أن يعيشوا بشكل تائه على خلاف ما خلقوا له،أيضاً هناك مصطلح( اللغة الكونية) والذي يجيء تباعاً للانصهار في بوتقة النفس الكلية، فللعيون لغة تندرج ضمن هذه اللغة الكونية، والابتسامة وصمت الصحراء وجريان السحب وعواء الذئاب ورغاء الجمال...وتوجس الأنفاس كلها لغات كونية لا يدركها إلا من تأملها وسعى لفهمها،لأن مثل تلك اللغات تخبرنا عن أشياء لا يدركها الآخرون...
فكرة الرواية ترتبط بشكل كبير بالفلسفة الوجودية للإنسان، فالإنسان الذي تعبر تساؤلاته عن حيرته في هذا الكون الفسيح يمكن أن يصبح جزءاً من الإجابة إذا اندمج مع هذا الكون الذي يتحدث ذات اللغة كما تشير هذه الرواية،الكثير من الحكم تورد في تفاصيلها أثناء الحوارات الاعتيادية بين البشر، وأثناء الحوارات التي تخرج إلى إطار الخيال كما في بعض فصولها، لذا يمكننا أن نقول أن هذه الرواية فلسفية بامتياز، وتأتي الحكمة كشكل يميز هذا العمل الأدبي عن الأعمال الأدبية الأخرى.
من ناحية الأسلوب، يتنوع الأسلوب المستخدم في هذه الرواية وفق الحدث الذي تدور فيه، ففي البداية يسيطر الأسلوب الموضوعي على سياق الرواية لتغمرنا بالتفاصيل التي تساعدنا على فهم الأحداث التي ستجيء تباعاً بعد ذلك، وفي السياق ينتقل الحديث إلى لسان الشخصيات المتحدثة وبذلك يسيطر الأسلوب الداخلي على السياق، ومثل هذا التنويع خلق لنا جواً من الاقتراب والابتعاد عن أحداث الحكاية بحيث نستطيع الاندماج بمشاعرنا عبر حروفها.
تسيطر اللغة التصويرية على معظم فصول الرواية، فالصحراء لها لغتها التي تسكن ألسنة المتحدثين عنها، والسماء بصقورها، وعيون فاطمة، وخيام القبائل، وحركة القافلة، كلها تفاصيل صورتها اللغة بشكل جمالي يضفي قيمة تذوق آخر للرواية.
الشخصية الرئيسية ترتبط بالراعي سينتياغو الذي تدور معظم الأحداث حوله، غير أن الشخصيات الفرعية التي ظهرت أثناء تعاقب الفصول لا تقل أهمية عن الشخصية الرئيسية، لأنها ارتبطت كثيراً بفلسفة الرواية عبر الحكم التي ورد على ألسنتها، والمواقف التي ربطتها بالشخصية الرئيسية بحيث أكملت المشهد بشكل يخدم الفكرة التي تسعى الرواية لإيصالها.
الزمان والمكان من خلال السياق يتضح أنهما في الفترة القديمة، حيث كانت الأندلس لا تزال تحت نير الخوف من الغزو العربي كما وضحت ألفاظ صريحة لكاتب الرواية على لسان الراعي، وحيث كانت أفريقية هي العالم الغريب الذي يزخر بكل ما هو مختلف ليتحدث عنه سكان أسبانية، من ناحية الأحداث والحبكات، فلكثرتها قد يتوه القارئ العابر لهذه الرواية، لكن من أراد أن يقرأها ويفهم عليه أن يمعن التركيز في تفاصيل هذه الرواية المليئة بالتنقلات والحبكات المثيرة الواردة كجزء من النص، أو خارج إطار النص كما وردت بعض القصص الجانبية التي كان يحكيها الملك أو الخيميائي للراعي قبل وبعد رحلته لتحقيق أسطورته الشخصية.
من ناحية الدلالة، تزخر هذه الرواية بالعديد من الدلالات المرتبطة كثيراً بعالم الحكم التي وردت في متنها، فالدلالة التاريخية مرتبطة بالدلالة الاجتماعية، ومرتبطة بالدلالة الثقافية والدينية التي تدل على سعة إطلاع المؤلف، وكل تلك الدلالات مرتبطة بشكل وثيق بالدلالات الإنسانية التي سعت الرواية إلى إيصالها،فالرواية تسعى لإيصال فكرة وجود رسالة مستقلة لكل إنسان على هذه الحياة والمتمثلة بصورة فلسفية وردت في الرواية ك( أسطورة شخصية)، وبأن على الإنسان أن يبذل كل ما يملك حتى عمره لتحقيق هذه الرسالة، لأنه ما إن يتقدم خطوة إلا ويتضافر الكون كله لتلبيه ما يريد ليساعده على تحقيق أسطورته الشخصية والفكرة الحقيقية من وجوده.
هذه الرواية تجمع بين البعد الثقافي والفلسفي ، وتخلق في ذهن قارئها العديد من التساؤلات التي تجعل منه إنساناً آخر بعد أن ينهيها، حيث سيصبح لصوت الريح رسالة، ولابتسامة طفل عابر قيمة، وللخوف والانتظار حد، ومثل تلك المشاعر التي سنكتسبها كفيلة بأن تخلق لدينا الرغبة في قراءة هذا العمل الأدبي.

السبت، 18 أغسطس 2012


العيد الرمادي

اللحظة...
نتأمل حلوى العيد، ملابسنا الجديدة...نتذكر..أين سنذهب؟ من سنقابل هذا العيد؟
كيف سيكون العيد بألوانه المختلفة في حياتنا هذه المرة...
السماء تزدان ببهجتها...
السحب تغني..ووجه لهلال يولد من أجل أن نبدأ شهراً جديداً...
خطواتنا المستعجلة لتقبس فرحات جذلة...تضرب الأرض بسرعتها..تصل تلك الخطوات إلى العيد الصامت الذي يعيشه أناس آخرون...
قبل عام كانوا أصدقاءنا...أو إخوتنا...أو أبناءنا...أو أشخاص حفظنا ابتساماتهم المعلقة فوق خيام الانتظار...
قبل عام كانوا يرتدون الأبيض لصلاة العيد...قبل عام كانوا يشاركونا الحلوى...ونكاتٌ كنا نسرقها -أثناء انتظاراتنا الطويلة- حتى نشعر بالعيد...
يوم سقطوا ابتلعتهم الأرض عنوة، وأبقت لنا منهم أسماءهم نتأملها كشواهد في أعيادنا...
صرنا نجعل منهم مادة دسمة لأعيادنا واحتفالاتنا، دون مراعاة لنظراتهم الحزينة المعلقة في شوارع العاصمة، ومهما ارتدينا الألوان...أو تجملنا بالطيب...أو وزعنا الحلوى والبسمات  ستظل ابتساماتنا رمادية لا قيمة لها في أعين أولئك الذين لا يجيدون إلى لغة الانتظار...
فأعيادهم صارت مجرد ذكرى في أذهان البعض...أو طقوساً تمارس كشعيرة لذكرى بين ذويهم، أما أولئك الذين أقسموا على الوفاء لهم..صاروا منهمكين بطقوس أخرى لا تمت لما أقسموا عليه بصلة!
العيد بحلواه لا قيمة له أمام وجه يبتسم بحزن أمامنا كل يوم، يطل علينا من أحد جوانب الخيمة...يخبرنا: كيف عيدكم!
 قد...نتوجه إلى تربته لنخاطبه بصمت...عيدنا بلا ملامح...فكيف نتقن لغة الابتسام! وقد نواصل تذوق الحلوى وكأن الأمس كان مقطع ممل من أخبار محلية!
الأرض تزدان لتحتفل بملامحكم المطمورة في قلبها...لتهنئكم بأنكم عيدها وهي عيدكم..أما نحن ..فسنغرق في مختلف التفاصيل..في الألوان الباهتة لصوركم وكيف يجب أن نعيد طباعتها..في أحجام أسمائكم وأين نضعها بالضبط من أجل الاحتفال القادم...
عيدكم –يا شهداءنا- انتظار....
عيدكم-يا شهداءنا- بلون دمكم الذي يشبه العلم...
عيدكم –يا شهداءنا- محبة كملامحكم الملونة في جدران الذاكرة...
عيدكم أنتم لا نحن...فثمة فرق بين من صارت السماء جزءاً من روحه وبين من لا يبارح الأرض ويأبى الانفكاك عنها....


الثلاثاء، 31 يوليو 2012



أحداق جائعة

فكرت في بداية الأمر أن أجعل الأمر مجرد روتين، لكن الروتين في العالم يختلف عن روتيننا اليمني، فالروتين شيء ممل بالنسبة للكثير من البشر، غير أنه في واقعنا-هنا- يصطبغ بمفهوم الألم، فالروتين هنا يعني أن ترى أكواماً من البشر يسيرون على غير هدى، والروتين هنا يعني أن تسمع أحدهم يتفاخر بفساده دون حياء، ويعني أنك تحاول وتسعى وتبني ليأتي أحمق آخر ويهدم كل ما فعلته برأي يمرره شيوخ مجلس النواب، ويعني أن نتكور في ذواتنا ونلقي اللوم كله على الآخر وكأننا أنبياء! الروتين هنا يشبه ثورتنا المبتورة التي تشبه جرحاها بابتساماتهم الرمادية...
منذ أن فتحنا أعيننا ونحن نسمع عن الفساد، ولكن فساد الأمس لا يشبه فساد اليوم خصوصاً بعد أن تم إصدار هيئة متكاملة للترويج له، والفقر في الماضي كان مجرد نقصان الكماليات إذا ما قورن بالوقت الحالي، لا زلت أتذكر جيراننا الفقراء في زمن ماضي وكيف أن فقرهم كان يعني عدم توفر الدجاج أو اللحم يوم الجمعة، أما اليوم فخبز العيش لم يعد يتوفر إلا على بعض  الموائد، كثرٌ أولئك الحمقى الذين ينهكون أنفسهم بالتفكير في اختزال الفساد في صفقات الكهرباء أو الغاز أو الكهرباء، الفساد الحقيقي لا زال يعبأ حتى اللحظة، تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطن، وثمة مسمى جديد ينتعله اللاهثون الجدد (الثورة)!
قُدر لي أن أرى الوجه الأبشع لليمن، كنت أظن أن أقبح وجه فيها هو الفساد وحسب، ولكن ثمة وجه مخيف، هل تعلمون ما هو؟ إنه وجه الإنسان اليمني عندما يُسلب حتى من كرامته، اعتدنا من المخلوع السابق الشحت على رؤوس الأشهاد من أجلنا، واعتدنا منه لغة الحرب ليستنزف جيوب الداخل والخارج دون حرمة لدماء الأطفال والأبرياء، واعتدنا منه القص واللصق وفق الحاجة بالكذب والغش والخداع، ويبدوا أنا سنعتاد وجوها أقبح منه، فما معنى أن يستمر مسلسل الذلة والشحت باسم اليمن ومع ذلك لا يتغير من الواقع شيئ! وما معنى أن نصف سكان أبين وصعدة- إلى اللحظة- يتناولون فطورهم وسحورهم في أقبية الخيام! وما معنى أن مختلف الجرائم التي تتوالى تجابه بالصمت أو التستر! وما معنى...وما معنى! في الأخير لم يعد ثمة معنى لشيء في وطن لا يعني لنفسه شيء! في وطن اعتاد أن يكون مطية للمرتزقة والفشلة والمغبونين!
عشرة أفراد يعيشون في ملحق جامع بحمام يقع على درج! ستيني يحمل علبة طلاء وفرشاة ثقيلة لا تحترم تقدمه بالسن! وامرأة في شهرها الأخير اعتادت الوقوف في الجولات وأمام نوافذ السيارات علها تحصل على قطعة مال تسد بها جوع مقعد في المنزل مع أطفاله الثمانية! طفلٌ لا يعرف من وطنه إلا ملابسه المتسخة وصراخ عمه الذي يجبره كل يوم للخروج من أجل قيمة القات! وكفيف يفترش الطرقات من أجل بضعة أفلاس، ومقعد يبيع علبة (فاين) على كرسيه الشبه مكسور، وفتاة جميلة تتقاذفها الأفواه والألسن أثناء جولة الشحت اليومية التي تقوم بها، ومستشفيات يدخل فيها المصاب بقطع بسيط في يده ليخرج مقطوع الروح، ومدارس تتفنن في نقل حرفة الغش والكذب بأساليب منهجية، وجامعات ملأى بالكثير من الطامحين الذين ما إن يتخرجوا حتى ينضموا للمستشفيات النفسية أو لأسواق القات...
في السابق كنت أرى الجوع يقطر من أحداق القاطنين في الشوارع بأعمارهم المختلفة، أتأمل قاماتهم النحيلة، وملامحهم الشاحبة تخبرك عن أن آخر وقت تناولوا في الطعام، وابتساماتهم الفاترة جزء يدللك على جنسيتهم، أما الآن فلم أعد  أرى تلك الأحداق –رغم جوعها-  مجرد ملامح جائعة للطعام، وإنما جائعة لأشياء ثمينة لا أدري متى تدركها حكوماتنا الموقرة، مثل هذه الأحداق جائعة لشيء اسمه الإنسانية....

الأربعاء، 4 يوليو 2012

سلمى



توطئة:
ذات مرة قرأت سطراً في رواية....(نكتب دائماً عن الأشياء أو الأشخاص لكي نتخلص منهم)...
ولكني هنا..سأكتبك على عكس تلك القاعدة...
سأكتبك ليشاركني الآخرين ابتسامتك الصغيرة..
سأكتبك حتى لا تفنى ملامحك في الذاكرة...
سأكتبك كأنتِ....بقدر حبي لك.


كل ما يحيط بك أبيض، كلون بشرتك النقية، وكلون أحلام التي تلازمك، أملاً في أن تتفتح مقلتيك الصغيرة في يوم ما...
هكذا بدأت القصة..
طفلة لم تكمل شهرها السابع تخرج إلى الضجيج، تخرج إلى كف لا تعرف ما معنى طفلة، تخرج إلى عالم مؤلم لا يشبه تلك الجنة التي خرجت منها...
أخبروا تلك التي تلازمك: ثمة خطأ طبي بسيط سبب اختناق الطفلة، ترقبهم عيناها باهتمام..
يخبرها طبيب آخر: الحبل السري كلن هو سبب الاختناق، يهم أحدهم بالحديث ثم يحجم عن ذلك، مؤخراً يخبرها أن ذلك الخطأ  ارتكبته ممرضة مهملة، ومن بين كل تلك التقارير تنبتين كإستفهام حزين يهطل من تلك الأحداق التي ترقبك من خلف الزجاج..
حرمتِ من حليبها...وحرمتِ من دفئها...وحُرمت هي من ملامحك الدافئة وملمسك الطفولي، إحداهن كانت تشاركها ذات التجربة، ولكنها كانت تهمس لوالدتك بملل مفرط...مجرد قطع صغيرة...لماذا نرقبها!! ينتهي موعد الزيارات للحاضنات، ولكن تبقى أمك كقطعة أخرى لزجاج يغلف تلك الحاضنة التي تقطنين فيها.
تقرير آخر يخبرها أنك ستنبتين بلا نور، وطبيب آخر يقنعها بأن تتركك لأنه ليس ثمة أمل من قطعة لحم تحمل شكل عيون وأنف! ووالد أحدهم يذكرها بأنه لا جدوى من الانتظار، ومثل هذه الحالات تعيش لشهر وحسب...
كانت تلك الصامدة تشعر بنبضك يخترق كل الحواجز، وتؤمن بأن ابتسامتك ستنبت كما حلمت بها، وأن الانتظار هو أحد قواعد الأمومة التي تتقنها..وكانت...وكانت...و كنتِ تعيشين بسكون تحت الأجهزة، تتقنين فن التألم لتثبتي لتلك الرابضة أنك لست مجرد قطعة لحم، عرفتي لغة الحقن المؤلمة، والمعقمات الصاخبة، عرفتي شكل الوحدة، والخوف...والحرمان، عرفتي الفرق بين كف والدتك الذي لا يزورك إلا لمماً، وبين كف الطبيب التي لا تفارقك..ياااه كل هذه الخبرات أخذتها من عالم البشر حتى قبل أن تفتحي عينيك...
.................
لحظاتي الأخيرة معك تقترب، تقترب بشكل مخيف، بعد قليل ستصبحي بالفعل مجرد قطعة لحم، بعد أن قرر المشفى إزالة جهاز التنفس عنك، لم تشفع دموعي...ولا طفولتك....لم يشفع شيء، وكأن قانون الحياة لا يستحقه الضعفاء مثلك، وقفت إلى جوار جسدك الذي بدا لي لوهلة نقطة من الذاكرة...
لم أستطع البكاء، لأني مارسته كثيراً في حضرة حياتك القصيرة..
بكيت عندما سمعت أول تقرير، وبكيت عندما منعت من رؤيتك إلا من وراء حجب الزجاج، وبكيت كثيراً عندما علمت بقرار غريب اتخذه المشفى كإجراء روتيني لتخلص من بعض قطع لحم قديمة كما يقولون من أجل قطع جديدة!!
لا أدري بأي عين كنت أرقب مشهدك الأخير، خمس دقائق في حضرة موتك الصغير...
خمس دقائق لتذوب شمعتك التي لم تضاء بعد!!
خمس دقائق تتوقفين تماماً، وأتمنى أن أتوقف أنا أيضاً لألقاك مجدداً، خمس دقائق كانت فاصلة طويلة غرست في أحداقي، تمنيت لو أني أصرخ..أو أبكي...
بعد انتهاء المشهد تساءلت في ذهول: أي حماقة ارتكبت! لماذا يدعوني الطبيب لأحضر مشهدك الأخير!.... ربما حتى أتذكر آخر صوت لنبضك الضعيف...ربما لتشعري بي  وتطمئني لمرة أخيرة..
عيناي تقرأن نبضك مجدداً، أصرخ بذهول وأشير إليك، يقنعني أحدهم أني أمر بمرحلة صدمة، صدرك الصغير يعلو ويهبط كما يفعل الآخرون، نبضك الهادئ يتعالى ليصنع في عالمي سيمفونية عذبة كروحك العائدة...
........................
في البداية...لم أعرف أحداً غيرك..لكن أصبحت أعرفهم جميعاً، أعرف حمودي، وأعرف سوسو..
أعرفكم جميعاً وأحبكم.
 أشكرك يا أمي..فمنك تعلمت الصبر، حتى إذا ما جاء موسم الحقن استطعت أن أتخاطب معها بصمت حتى لا أشق عليك..
تعلمت ابتسامتك...ولذا هي هدية يتيمة يمكنني أن أعطيك إياها كل صباح،وحفظت ملامحك التي تشبه روحك...لذا أنا لا أخطئ حتى في قراءة ظلك أبداً..
أشياء كثيرة أتعلمها يا أمي، قد لا أستطيع أن أخبرك بها، لكن حتماً أنت تشعرين بها، الكثير من الأشياء لا يمكنني أن أفعلها كما يفعلون...
لا أستطيع تذوق الشوكلاتة... وقد أتساءل:ترى كيف طعم الماء!
أرقب جسدي الصغير ينمو دون أن أستطيع تحريكه، وأقرأ ركض إخوتي بفرح دون أن أشاركهم، أقرأ ألوان فرحكم بهدوء من زاويتي، أتأمل ملامحكم الملأى بطقوس الحياة، عندما تأتي الاختبارات يصبح الكلام بينكم قليل لذا أشعر بالملل قليلاً، وعندما تأتي العطلة يعجبني صوتك يا أمي وأنت تصرخي فوق إخوتي وهم يتراكضون حولي،
مسلسلات الكارتون التي جلبت لإخوتي النظارات كانت تشدني ولكن زاويتي بعيدة عن التلفاز، أحب تفاصيلكم الصغيرة والكبيرة، أحب أيامكم الملأى بالضجيج، بالمرح، بالحب..
أمي...قد ترينني نبتة صامتة أختلف عن الآخرين كثيراً، لكن تأكدي أن نبضي الذي أشرق في حضرتك في زمن ما...لا زال يشرق في حضرة ملامحك كل لحظة...