الجمعة، 26 أكتوبر 2012



(لفتة بألوان أخرى)
 الساعة الحادية عشرة صباحاً
اليوم: العاشر من ذي الحجة
أجواء العيد تملأ المكان، وضحكات الأطفال تتخلل تلك الأجواء فتزيدها بهاءاً وجمالاً..
أعود إلى حيث أنا..
إلى حيث العيد بألواني الخاصة
صديقة مقربة تخبرني أنها لا تفرح كثيراً بالعيد، لأنه يذكرها بأنها صارت كبيرة
كبيرة جداً، بحيث لم يصبح للعيدية ،أو الحلوى أي صدى في أحداقها...
يأتيني صوت أمي من الذاكرة وهي تخبز الكعك...
إذهبي وافرحي كثيراً بعيدك قبل أن يفوت الأوان!!
ارتسمت علامة تعجب كبيرة في عيني يومها ، ولكني واصلت لعق الحلوى كما يفعل بقية الأطفال
ليتك يا أمي أخبرتني ، أني بعد أن أتشح بالسواد لن أستطيع أن ألعق الحلوى بذات الطريقة..
وليتك أخبرتني..أني بعد زمن سأصير مثل بقية النساء، ممن يرين في العيد جدول ممتلئ من الأعمال وحسب..
عندها ربما ملأت كل دقائقي باللعب، لأجد مخزوناً إضافياً أتزود منه في أعيادي هذه...
تخبرني معلمة التاريخ أن العيد هو طقس بشري، يتيح للبشر الهروب قليلاً من الأمور التي تؤرقهم، حتى أنه في العصر الحجري ..كانت الحيوانات المفترسة تأخذ قسطاً من الراحة أثناء أعياد البشر..
لكن البشر الآن صاروا مختلفين، لم يعد باستطاعتهم عقد هدنة حتى مع ذواتهم المفترسة، نسيت معلمتي أن تخبرني بهذا السر، ولكن نشرة الأخبار التي لا توقف عن رسم خرائط الدماء في عيوننا..فعلت ذلك.
.....
في الشارع العام، مسن يحمل كيساً كبيراً من المخلفات البلاستيكية، ويحمل فوقها نظرة هم وابتسامة جائع،كان يقرأ الرصيف بعين أخرى، غير تلك التي نقرأ بها طريق عودتنا للمنازل، أظنه كان يفكر هل سيطول الرصيف أكثر حتى يبتعد قليلاً من لحظة الابتسامة الباهتة التي سيرسمها على وجه أحفاده بعد أن يعود خالي الوفاض!
مسكين هذا الرجل، لا أدري متى سيزوره عيده!

مسنة تنعس في زاوية أحد حارات العاصمة، كانت شاحبة كمومياء، لها ابتسامة نصف خضراء، يقرأها المار بتوجس، فلا يدري هل هي من هذا العصر، أم فرت من أحد المتاحف الوطنية، غير أن قطعة خبز جافة -خبزت على الطريقة المحلية- تتمدد إلى جوار يدها، لتخبرك أنها مثلك، ولكن برتوش أغمق قليلاً..
......
لم أنم منذ البارحة، كنت أنتظر شيئاً، ولكنه لم يأتي بعد..
يكاد النوم يغلبني، حتى يأتيني صوتك الساكن..
تخبرني، أنك سعيد، وفرح، وجذل..
تقرأ الدهشة في عيني فتردف: وحزين قليلاً.
قليلاً!! ترتسم في عيني باللون الأصفر الذي يشبه ملامحك البالية، لا بأس، فمثلك يدمن-غالباً- على القات، أو على الأمنيات التي لا لون لها..
أحمل خارطة ملامحك، وأذكرك بأنك تحمل ألوان أخرى، ففيك زرقة البحر، ونقاء الطبيعة، ولكنك تصر على التحدث باللون الأصفر!
أخبرك بأن(قليلاً) ممنوعة من الصرف في واقعنا، لأن الواقع لا يستخدم إلا (كثيراً) من الألم، والجوع..والخوف..والانتظار..
ثم تأتي وتستخدم مرادفة لم نعد نستخدمها، و تعجب أن الكثير منا لم يعد لهم رغبة في الحديث إليك!!
الأفضل أن تتعلم لغة الإشارة، حتى نخطئ في فهمك فنعذرك..
انتظرتك طويلاً يا وطني، ثم تأتي وتقول(قليلاً)!!
وددت لو أنك صمت وحسب، إذاً لخلقت لك ألف عذر في لسان الحائرين، حتى أولئك الذين يحبون التخاطب بلغة الموت بأشكاله، ربما يثنون أسلحتهم الموجهة إذا ماعرفوا أنك لا زلت تحبهم..
تذهب لتكبر معهم للعيد، ولكنك تنسى أن ترى المسنة التي تنعس في قلب الطريق، أو ذلك البائس الذي يبني مملكته من العلب الفارغة، أو حتى ذلك الشاب الذي يرتدي كل الألوان في ملابسه...ولكن قلبه مثلك تماماً فارغاً إلا من الخوف أو اللامبالاة..
سألتفت إليك يا وطني هذه المرة، ولن أراك بالألوان المسبقة التي لونوك بها، أو بلونك الذي ترتديه اللحظة، سأراك بلوني أنا، لوني الذي يجعل منك خريطة تتسع لملامحنا كلها، بعيداً عن الخوف، والقات، والرصاص.
كل عام وأنت بخير يا وطني العزيز.


السبت، 13 أكتوبر 2012


(بسمة)


إهداء إلى روح الشهيد عمر.......
هو لون شفاهكم الحبيبة يزدهي في عيناي كلما اختلط اسمي بدعائكم،هو قلب أمي لا يزال ينبض بي رغم توقفي عن النبض، هو كف أختي الذي يتلوني كلما مررت ذاكرتها فوق ملامحي الفتية ، هو وجه أخي الذي يشبهني إلى حد يجعلني بينكم اللحظة حتى لا أكون مفقوداً البتة، هو سماء الوطن ووجه الأرض، هو أنا بينكم ببسمتي التي تملأ طرقات العاصمة، وأزقتها الصامتة.
.....
البداية ، ليست تاريخ رحيل كما يدون في شهادة الوفاة، وليس دموع كما اعتاد البشر أن يفعلون عندما يلثموا التراب، البداية هي (أنا) يوم آمنت ب(الحرية)، لم يكن لها مذاق شايك يا أمي، أو خبزك الطازج، أو سمرتك الحنونة، لقد كان لها مذاق الوطن الذي لم نعرفه في الطفولة إلا تاريخاً أعرج، يتناقص في صفقات مرنة باسم الأخوة والتاريخ! أو ربما يوسع مداركنا معلم الرياضة ويخبرنا أن الوطن هو ذلك العلم المشنوق فوق صارية لا تكف عن التحديق بنا من علٍ، هكذا كانوا يخبروننا عن الوطن، ورغم ذلك كنت أحب الوطن ولكن بطريقة مختلفة ..
اعتقدت منذ طفولتي، أن الأرض التي تمنحني حق اللعب على وجهها، هي وحدها من تستحق أن أفديها بروحي، وكنت أأمن بأن السماء التي توزع بياض سحبها لتظلني وإخوتي أثناء تقاسمنا البسمات هي الأجدر بتضحيتي، وكنت دائماً ما أخبر نفسي، بأني وإن كنت صغيراً على معانقة العلم بجسدي، فإن لروحي مدى أوسع من قدرة الطين فيّ، ولذا كنت أعانقه منذ الطفولة بروحي، بينما يقف المعلمون ومدرب الرياضة واجمين تحت ظله، هذا هو الفرق يا أمي بين من يحب الوطن، وبين من يدعيه، فالأول يعرف أن المستحيل لا أساس له إذا تعلق الأمر بالحب، والثاني يعرف أن الممكن مستحيل إذا تعلق الأمر بوطن بالٍ كما يراه.
..........
يااااه الرحلة ليست شاقة كما كنت أظن، الأمر لا يعد كونه تجربة جديدة، هي الحرية من أجبرتني على التحليق كما آمنت سابقاً (بروحي)، روحي التي لا تؤمن بحدود الجسد، فالجسد حكايته لا تخرج عن طور الطين، ولكن الروح لها فضاءات أوسع تشبه مناجاة النجوم لأحداقنا في حلكة الليل،بدأت رحلتي من أول يوم كان للشعب فيه قصة تبحث عن وطن، شعارات الحرية تغريني بمزيد من المغامرة، وبمزيد من الإرتقاء لما أُأومن به، وكان لي ما أريد...
في شاشة التلفزيون اختصروا القصة ورووها من النهاية، جسد نحيل يتهادى بين الأكف، وقميصه الأسود يخفي فجيعة الدم في جسده، وصراخ الجميع يهول رحلتي الأخيرة إلى أحداقكم، لا أدري كيف قرأتم ابتسامتي الأخيرة، ولكنها لم ترتسم كما أريد، ربما لأن مفاجأة الرحلة جاءت من الخلف، وربما لأن بطاقة المغادرة جاءت من الأمام، وربما لأن رفاق الحرية كانوا يسابقوني لحجز مقاعد مجانية في زرقة السماء...وربما..وربما..
مؤلم أن لا أقول لك للمرة الأخيرة يا أمي(وداعاً) ومؤلم أن لا أستطيع أن أبتسم في وجه والدي وإخوتي وأخواتي مرة أخيرة، لكني فعلت ...هناك تجدوني في الذاكرة، حيث أبتسم دائماً كما تريدون، هناك في السماء أبتسم وتحمل الخيام حريتها بابتسامتي المعلقة فوق الصور المنتشرة لي هنا وهناك...
بقي أن أهمس لكم بحب، منظر الوطن أجمل بكثير حيث أنا، فالسماء لا تحوي فقط أمواج السحب البيضاء، إنها تحمل أرواحنا المتألقة أيضاً، لننظركم بلهفة كل ما مرت أحداقكم بنا في الأرض أو في الذاكرة.


الأربعاء، 26 سبتمبر 2012


برهة
لقد مر وقت طويل وأنا لا أمسك القلم، ههه...أغرتني إضاءة التكنلوجيا..فصرت مثلهم، أحب صوت الحروف المشنوقة مسبقاً، عجباً!على الرغم من أن عيناي تتذوقان تلك الجمل المنمقة، إلا أني لا أستطيع نسيان حقيقة أنها ولدت من أفواه حروف ميتة !
تبقى متعة معانقة القلم لبياض الورقة إرث للذة تاريخية،ربما كان صوت الريشة أمتع من صوت الخطوط الجامدة للقلم الجاف الذي أتقنا حمله،وربما كان للحبر العربي رائحة تشبه الحروف العربية، وربما كنا سنكون أفضل بكثير  إذا ارتأت حروفنا عوالم الماضي وارتدت حلة القديم لتهب الجديد بعضاً من رونقها.
أعود للحرف....من يحترف مخاطبة الحرف يحترف الحرف صحبته، إنها علاقة أزلية لا تحتاج لعقد أو شهود، لأن الملامح المرسومة في أفق التاريخ حكت عن علاقات عشقية تمت بين الحرف والإنسان، ولذا كان الإنسان مبدعاً كما يكنيه الحرف، ولكنه في الحقيقة ليس سوى أب للحرف الذي أنتجه.
عندما أعيش في زمن الكتابة دائماً ما أحتار عند الإجابة على تساؤل لمن نكتب؟! هل لذواتنا أم للآخرين، وثمة قضية جدلية في هذا الجانب، تحكمها العادات ونظرات الآخرين وأفواههم، والخوف الشخصي،نعم...الخزف الشخصي!فالبعض منا يخاف أن يقرأه شخص ما فيجرد من الألقاب الجوفاء التي حصدها طيلة سنين عمره، والعض يخاف أن يلومه شخص من العائلة أو صديق إذا أورد معلومة مشتركة بينهما، والبعض يخاف من مجرد ذكر اسمه لأن هذا سر بالنسبة له!والبعض يخاف لمجرد الخوف،لكن عجبي لأولئك الذين لا يخافون الموت أو الرصاص ولكنهم يخافون من الحروف!
بالنسبة لي أرى أنه مهما أوغل المرء في فتح طيات صفحاته للآخرين سيبقى ثمة هامش لا يطلع عليه إلا هو، لا لشيء وإنما لأن هذا الهامش هو مساحته الشخصية التي لم يتعرف عليها بعد لا الخوف ولا النسيان.
في كل عام لم نعد نكبر عام،وإنما صرنا كهولاً بملامح فتية ،ولو جلس أحدنا إلى نفسه لهالته كمية الشيب التي تسكن روحه،ففي زهرة عمرنا عرفنا  ما معنى(موت مجاني)، وما قيمة (الكلام بالمفتوح)! وما وجه التشابه بين (الخوف والانكسار)...اختصرنا جسور الألفاظ في عبارات صغيرة...وفي الأخير فقدت معناها!ابتسمنا حتى فقدنا مذاق الابتسامة، وتألمنا حتى صار البكاء مجرد ترف زائل، وصمتنا حتى لم نعد نعرف ما ذا يعني الصمت بالضبط؟!
ورغم كل الآثار الدامية التي خطوناها في الذاكرة، لا زلنا نخطوها! ربما لنتأكد من مذاق الألم مرة أخرى! وقد يكون لمحو آثار ستتجدد بأخرى! لا أدري كيف يفكر البشر بالضبط؟! ولكن كل ما أعرفه أننا عندما نكبر نصير مجرد نقطة بعيدة عما كنا نحلم به في الطفولة.
يا ليتني همست لمعلمة الطفولة أمينة: بأن أمنيتي لم تعد(صعود القمر) وإنما القدرة على زرع ابتسامة حقيقية-فقط- على ملامحي البالية.



الاثنين، 17 سبتمبر 2012

أين الثورة!!!


الآن..الآن...
ثمة شرفة_منها_ تنظرني أمي في لهفة...
ثمة دمعة..
أحياناً تسقط من أختي..
أحياناً تسقط من شمعة..
ثمة اسم-يتهادى- يتردد بين رفاق الدرب
ثمة بسمة..
تعلوا فوق ملامحكم
تتيبس في ثغري فجأة..
في الخيمة كانت أحلامي..
في الخيمة-كنتم- بل كنا!
في زمن الورد
فجر يتبسم في الطرقات
يتقاسم لهفات شتى
لهفة درب...حر عذب
لهفة وطن..
لهفة ثورة.
في الخيمة قد عُلق وجهي...جسدي ...أحلامي..
جف دمي..
وشعارات نتقنها
خطوات أخرى مبتسمة
كنا ندرك أن الشمس لاهبةٌ
لكن ..دافئةٌ ..مشرقةٌ..يانعة كزهور الهمة..
كنا نعرف أن طريق المنزل ذكرى ترتاد الأحلام
مذ صار المنزل خيمة
كنا نفهم أن الحرية قدرٌ
لشعوب حرة.
كنا_يا أمي_ نبتسم...وجلاً أو فرحاً
لا أدري!!
يبدوا أن ملامحكم-أعيادي- تتهاوى في الريح
أطلق صرخة
لا أسمعها!!
وأرى لون دمي (ثورة)
بالأمس نزار..
واليوم (أنا)
وغداً وجهٌ آخر يُتلى
لم أكمل خطواتي الأخرى
لم أخبرهم ذاك اليوم أن دمي
مجرد بسمة
الآن...الآن..
دمي..
أحلامي..
وجهي المشنوق على خيمة
يرقبكم_في وجلٍ_ يتلو ظله..
يتساءل:
أين لون دمي المصبوب!!
أين رفاق الحي!!
أين صوت الخطوات..
أين شعارات الحرية!!
أين الثورة؟!!!

الخميس، 13 سبتمبر 2012


رائحة في الذاكرة
لا زلت أشم رائحة طين جبل( الضبوعة)، حيث أقدامنا تلهو منذ الصباح الباكر هناك، عندما كنت أفتح أحداقي الصغيرة، لا أرى منك إلا بعض المنازل المتراكبة وكأنها حبات رمان، وصباحك القرمزي يصبغ نافذة جدتي بنكهة خبز (الطاوة )التي اعتادت جدتي أن تصنعه لنا لنترك الطين ونجري إليها يديها الحبيبتين.
أحبك كما أنت، كما لون جبالك السمراء، كما جمال ارتفاعاتك التي لا تكل عن سرد تفاصيل وطن يضج بالتفكير، كما بقالة (نصر) الذي علمنا أن نحتفظ بنصف ريال ونتشارك في علبة البيبسي من أجل قطع شكلاة إضافية، أحبك كما لون السيارة الحمراء لخالي الراحل، أحبك بقدر تعاريج الطريق من مدرسة (بلال) الابتدائية إلى الباب الرمادي لمنزل جدي، بقدر الخدوش التي تملأ باب غنم أم موسى، بطعم البطاط حق أم علي، والآيس كريم حق الضالعي، بقدر التفاصيل الصغيرة التي كنت أسرقها أثناء العطلات الصيفية فيك.
وأحب صنعاء التي عشت فيها أغلب عمري، لكن رائحة الذاكرة لا تأتيني إلا بملامحك أنت..ماذا أفعل إذا كانت ذاكرتي لا تحتفظ إلا برائحة واحدة لمكان واحد...ارتبطت به كقلب أمي!
يقولون: لابد من صنعاء وإن طال السفر، ولكني هنا..في قلب صنعاء..ومع ذلك لا أشعر بنبض الحياة، أبتسم لأن الآخرين يفعلون هكذا، وأتحدث وأصمت لأنهم يريدون ذلك، هكذا هي صنعاء..أنثى جميلة، تتبختر بخيلاء أنيق، تستطيع أن تلهمك ألف قصيدة في الثانية الواحدة، وتستطيع أن تجعل منك عاشقاً فجأة، وتستطيع أن تهبك كل ما تملك،وهي كريمة..ولكني لا أريد كل ما تملك..أريد نبضها فقط!
وهذا شيء لا تملكه صنعاء، حتى عدن...أحب ابتسامتها البيضاء، وملامح حبها الكبير بشخوصها الطيبين، غير أني لا أحتاج أن أغوص في المزيد من تفاصيل الجمال الأخاذ كما يحلوا لصنعاء أن تبهرني به، ولا أحتاج أن أتسمر لجمال ابتسامة عذبة ترسمها عدن أو الحديدة أو أبين في أحداقي..أنا أريد(نبضاً) أشعر به ويشعر بي..
وهذا هو الشيء الوحيد الذي تملكه تعز، فكيف ألام بحبها؟!
فنبضها قصير في الذاكرة، ولكن له رائحة مميزة، تشبه الطين الذي لهونا به في الطفولة، وتشبه شجرة ملكة الليل التي ماتت منذ أن غادرناها إلى صنعاء..
همست لها ذلك المساء: ولكنه القدر، أن يكون كل شيء هناك، حيث الجميلة، التعليم والمستقبل والعمل...البنايات والسيارات والشوارع الكبيرة..قرأتها بعيني السياب: يا غربة الروح في دنيا من الحجر...والثلج والقار والفولاذ والضجر..
وكلما كنا نأتي لنسرق بعضاً من هوائها كانت تكرمنا بأمطارها الذيذة، وتزورني عبر(السُجارة الحمراء) لبيت جدي، فأتأمل الجبل والسماء بخشوع جميل يسمعني نبضها أكثر..
يا من يلوموني في حبها...هذا حظي في ما أملك فكيف تؤاخذوني فيما لا أملك!!

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

قراءة نقدية لرواية الخيميائي


عندما نقرأ فإننا نعيش حياة  أناس آخرين، لأن الرواية قبل أن تكون مجرد حروف وجُمل يوردها كاتبها تكون جزءاً من رؤيته-هو- وفلسفته في الحياة، وعبر رواية الخيميائي( لباولو كويلو) نبحر في عالم مليء بالحكمة التي تفلسف الأشياء وفق منظور جديد قديم، فالقديم في سطور هذه الرواية التزامها بكثرة الحبكات كالأساطير القديمة، والجديد فيها أنها تكشف لنا عمق الأشياء البسيطة من حولنا لتدفعنا لتأملها بشكل أعمق يساعدنا على فهم كنهها ، والانسجام معها لأنها خلقت وخلقنا من أجل ذلك.
تزدهي هذه الرواية بكثرة الحكم التي تورد على ألسنة أبطالها، وبالمواقف التي تأتي لتعلم القارئ أن ثمة زوايا في حياتك ستزورك وفق الأقدار، وإذا تمعنت في حياة الألى استطعت أن تقبس الدرس قبل أن تقع في الخطأ، كما تورد هذه الرواية عدة مصطلحات فلسفية تلخص الهدف من وجود الإنسان، حيث تورد مصطلح (النفس الكلية) والذي يعني أن الكون بمكوناته هو من صنع يد واحدة تتحدث لغة واحدة لا يفهمها إلا من تمعن في الكون أكثر وحاول الاقتراب من كنهه، والتنوع القائم في الكون من بشر وجماد وحيوان وفضاء...إلخ ما هو إلى شفرات تبحث عمن يكتشفها لتفتح له أفاقاً أوسع للمعرفة، كما تورد الرواية مصطلح (الأسطورة الشخصية) والذي يعني أن لكل إنسان قصته التي كتبتها الأقدار وعليه أن يبحث عنها ويسير في الحياة ليطبقها، فإن فعل ذلك تضافرت جهود الكون لتمكنه من فعل ذلك، وإن بقي حبيس الخوف البشري بقي نقطة جوفاء في هذا العالم الفسيح، لترقبه الشمس والقمر والنجوم بلا مبالاة فلا قيمة لأولئك الذين يحبون أن يعيشوا بشكل تائه على خلاف ما خلقوا له،أيضاً هناك مصطلح( اللغة الكونية) والذي يجيء تباعاً للانصهار في بوتقة النفس الكلية، فللعيون لغة تندرج ضمن هذه اللغة الكونية، والابتسامة وصمت الصحراء وجريان السحب وعواء الذئاب ورغاء الجمال...وتوجس الأنفاس كلها لغات كونية لا يدركها إلا من تأملها وسعى لفهمها،لأن مثل تلك اللغات تخبرنا عن أشياء لا يدركها الآخرون...
فكرة الرواية ترتبط بشكل كبير بالفلسفة الوجودية للإنسان، فالإنسان الذي تعبر تساؤلاته عن حيرته في هذا الكون الفسيح يمكن أن يصبح جزءاً من الإجابة إذا اندمج مع هذا الكون الذي يتحدث ذات اللغة كما تشير هذه الرواية،الكثير من الحكم تورد في تفاصيلها أثناء الحوارات الاعتيادية بين البشر، وأثناء الحوارات التي تخرج إلى إطار الخيال كما في بعض فصولها، لذا يمكننا أن نقول أن هذه الرواية فلسفية بامتياز، وتأتي الحكمة كشكل يميز هذا العمل الأدبي عن الأعمال الأدبية الأخرى.
من ناحية الأسلوب، يتنوع الأسلوب المستخدم في هذه الرواية وفق الحدث الذي تدور فيه، ففي البداية يسيطر الأسلوب الموضوعي على سياق الرواية لتغمرنا بالتفاصيل التي تساعدنا على فهم الأحداث التي ستجيء تباعاً بعد ذلك، وفي السياق ينتقل الحديث إلى لسان الشخصيات المتحدثة وبذلك يسيطر الأسلوب الداخلي على السياق، ومثل هذا التنويع خلق لنا جواً من الاقتراب والابتعاد عن أحداث الحكاية بحيث نستطيع الاندماج بمشاعرنا عبر حروفها.
تسيطر اللغة التصويرية على معظم فصول الرواية، فالصحراء لها لغتها التي تسكن ألسنة المتحدثين عنها، والسماء بصقورها، وعيون فاطمة، وخيام القبائل، وحركة القافلة، كلها تفاصيل صورتها اللغة بشكل جمالي يضفي قيمة تذوق آخر للرواية.
الشخصية الرئيسية ترتبط بالراعي سينتياغو الذي تدور معظم الأحداث حوله، غير أن الشخصيات الفرعية التي ظهرت أثناء تعاقب الفصول لا تقل أهمية عن الشخصية الرئيسية، لأنها ارتبطت كثيراً بفلسفة الرواية عبر الحكم التي ورد على ألسنتها، والمواقف التي ربطتها بالشخصية الرئيسية بحيث أكملت المشهد بشكل يخدم الفكرة التي تسعى الرواية لإيصالها.
الزمان والمكان من خلال السياق يتضح أنهما في الفترة القديمة، حيث كانت الأندلس لا تزال تحت نير الخوف من الغزو العربي كما وضحت ألفاظ صريحة لكاتب الرواية على لسان الراعي، وحيث كانت أفريقية هي العالم الغريب الذي يزخر بكل ما هو مختلف ليتحدث عنه سكان أسبانية، من ناحية الأحداث والحبكات، فلكثرتها قد يتوه القارئ العابر لهذه الرواية، لكن من أراد أن يقرأها ويفهم عليه أن يمعن التركيز في تفاصيل هذه الرواية المليئة بالتنقلات والحبكات المثيرة الواردة كجزء من النص، أو خارج إطار النص كما وردت بعض القصص الجانبية التي كان يحكيها الملك أو الخيميائي للراعي قبل وبعد رحلته لتحقيق أسطورته الشخصية.
من ناحية الدلالة، تزخر هذه الرواية بالعديد من الدلالات المرتبطة كثيراً بعالم الحكم التي وردت في متنها، فالدلالة التاريخية مرتبطة بالدلالة الاجتماعية، ومرتبطة بالدلالة الثقافية والدينية التي تدل على سعة إطلاع المؤلف، وكل تلك الدلالات مرتبطة بشكل وثيق بالدلالات الإنسانية التي سعت الرواية إلى إيصالها،فالرواية تسعى لإيصال فكرة وجود رسالة مستقلة لكل إنسان على هذه الحياة والمتمثلة بصورة فلسفية وردت في الرواية ك( أسطورة شخصية)، وبأن على الإنسان أن يبذل كل ما يملك حتى عمره لتحقيق هذه الرسالة، لأنه ما إن يتقدم خطوة إلا ويتضافر الكون كله لتلبيه ما يريد ليساعده على تحقيق أسطورته الشخصية والفكرة الحقيقية من وجوده.
هذه الرواية تجمع بين البعد الثقافي والفلسفي ، وتخلق في ذهن قارئها العديد من التساؤلات التي تجعل منه إنساناً آخر بعد أن ينهيها، حيث سيصبح لصوت الريح رسالة، ولابتسامة طفل عابر قيمة، وللخوف والانتظار حد، ومثل تلك المشاعر التي سنكتسبها كفيلة بأن تخلق لدينا الرغبة في قراءة هذا العمل الأدبي.

السبت، 18 أغسطس 2012


العيد الرمادي

اللحظة...
نتأمل حلوى العيد، ملابسنا الجديدة...نتذكر..أين سنذهب؟ من سنقابل هذا العيد؟
كيف سيكون العيد بألوانه المختلفة في حياتنا هذه المرة...
السماء تزدان ببهجتها...
السحب تغني..ووجه لهلال يولد من أجل أن نبدأ شهراً جديداً...
خطواتنا المستعجلة لتقبس فرحات جذلة...تضرب الأرض بسرعتها..تصل تلك الخطوات إلى العيد الصامت الذي يعيشه أناس آخرون...
قبل عام كانوا أصدقاءنا...أو إخوتنا...أو أبناءنا...أو أشخاص حفظنا ابتساماتهم المعلقة فوق خيام الانتظار...
قبل عام كانوا يرتدون الأبيض لصلاة العيد...قبل عام كانوا يشاركونا الحلوى...ونكاتٌ كنا نسرقها -أثناء انتظاراتنا الطويلة- حتى نشعر بالعيد...
يوم سقطوا ابتلعتهم الأرض عنوة، وأبقت لنا منهم أسماءهم نتأملها كشواهد في أعيادنا...
صرنا نجعل منهم مادة دسمة لأعيادنا واحتفالاتنا، دون مراعاة لنظراتهم الحزينة المعلقة في شوارع العاصمة، ومهما ارتدينا الألوان...أو تجملنا بالطيب...أو وزعنا الحلوى والبسمات  ستظل ابتساماتنا رمادية لا قيمة لها في أعين أولئك الذين لا يجيدون إلى لغة الانتظار...
فأعيادهم صارت مجرد ذكرى في أذهان البعض...أو طقوساً تمارس كشعيرة لذكرى بين ذويهم، أما أولئك الذين أقسموا على الوفاء لهم..صاروا منهمكين بطقوس أخرى لا تمت لما أقسموا عليه بصلة!
العيد بحلواه لا قيمة له أمام وجه يبتسم بحزن أمامنا كل يوم، يطل علينا من أحد جوانب الخيمة...يخبرنا: كيف عيدكم!
 قد...نتوجه إلى تربته لنخاطبه بصمت...عيدنا بلا ملامح...فكيف نتقن لغة الابتسام! وقد نواصل تذوق الحلوى وكأن الأمس كان مقطع ممل من أخبار محلية!
الأرض تزدان لتحتفل بملامحكم المطمورة في قلبها...لتهنئكم بأنكم عيدها وهي عيدكم..أما نحن ..فسنغرق في مختلف التفاصيل..في الألوان الباهتة لصوركم وكيف يجب أن نعيد طباعتها..في أحجام أسمائكم وأين نضعها بالضبط من أجل الاحتفال القادم...
عيدكم –يا شهداءنا- انتظار....
عيدكم-يا شهداءنا- بلون دمكم الذي يشبه العلم...
عيدكم –يا شهداءنا- محبة كملامحكم الملونة في جدران الذاكرة...
عيدكم أنتم لا نحن...فثمة فرق بين من صارت السماء جزءاً من روحه وبين من لا يبارح الأرض ويأبى الانفكاك عنها....