الثلاثاء، 1 يناير 2013

ملخص (ثورة الشباب ) لتوفيق الحكيم




من عنوان الكتاب نستشف مضمونه السخي، فالشباب في كنههم ثورة، ثورة في الحياة، وثورة في الطموح، وثورة في التغيير، لأنهم طاقات تحب الحركة والبناء، وتوفيق الحكيم في كتابه هذا يناقش الكثير من الأمور المتعلقة بالشباب ، ويلفت أنظار الكبار لحقيقة دورهم تجاه هؤلاء الشباب الذين هم ثمار الغد والقائمين عليه.
يقع الكتاب في 20 فصل عناوينه الأولى مترابطة في مواضيعها ومناقشاتها، أما العناوين الأخرى فجاءت تحمل عناوين غير مرابطة بالعناوين السابقة لتناقش أفكار وقضايا جديدة يواجهها الشباب، ففي الفصول الأولى ارتبطت العناوين بكلمة الأجيال التي تشير إلى الشباب وحقيقة وجودهم وامتدادهم للمجتمعات التي لا تفهمهم أو لا تسعى لاحتوائهم، وكأني بالكاتب يريد أن يشير لنا غلى حقيقة أن الشباب هم الأجيال التي يجب أن نعول عليها بدلاً من أن نواجهها أو نهملها فنخسر مستقبلنا الذي سيكونون هم بُناته.
في الفصل الأول(حلقة الأجيال) يتحدث الكاتب عن مفهوم الثورة والهوجة والفرق بينهما، ويوضح سبب استجابة الشباب مبكراً لنداءات التغيير في أي مجتمع، كما يتطرق إلى قضية الجوهر والمظهر التي تعد مشكلة عصية تحول بين تفاهم الأبناء والآباء، ويركز على أهمية تنمية الجوهر في الشباب وترك المظهر الذي سيعتدل وفق الظروف التي تهيأ للشباب، كما أنها غالباً ما ترتبط بالمراحل العمرية التي يمر بها الشباب، كما يركز الكاتب على لفت الأنظار نحو قاعدة(تسلسل الأجيال) وأن أي جيل هو وليد لنتاج الجيل الذي يسبقه فيجب أن نهتم بالواقع الذي نعيشه من أجل الأجيال الشابة التي ستأتي وستكون امتدادات إيجابية أو سلبية كما نهيئ لها الوضع مسبقاً، ويتطرق الكاتب لقضية مهمة في هذا السياق وهي الاهتمام بقضايا الفكر وتشجيع الموهوبين، فالفكر هو الذي يحي ضمير الأمة، والموهوبين هم اللبنة الحقيقية التي تهدي وتوجه الشعوب لمجدها، ويبحر في مفهوم الإبداع، حيث نرى أن الإبداع شيء متحرك من وجهة نظر الكاتب ، فليس بالضرورة أن يسير الإبداع على رتم أو نمط واحد، بل أنه يتغير ويتنوع ويتجدد بناءاً على الواقع المعاش وقدرة المبدعين على استجلابه بشكل يبني أممهم، ويختم الكاتب هذا الفصل بنصيحة يهديها للكبار حتى يستوعبوا الشباب، وذلك بأن ينظروا لهذه الأجيال الشابة كجيل مكمل للبناء، فالأجيال السابقة ستصل إلى مرحلة ما من البناء ثم ستقف بفعل الزمن والظروف ليأتي الجيل الآخر ويواصل البناء، ولذا يجب أن ينظر إليهم بهذه الطريقة.
الفصل الثاني جاء بعنوان( تبعات الأجيال) ويتحدث هذا الفصل هن أهمية الانفتاح على الآخر بوعي، وعدم الانغلاق  السلبي على الماضي الذي نقدسه بشكل مبالغ فيه في ثقافتنا،فالانفتاح على الآخر يساعدنا على أن ننهل من علومه ونحقق الرسالة السماوية التي جاء بها ديننا، بينما الانغلاق على الماضي يقتل الإبداع والتجدد على مستوى الحضارات كافة، ويتحدث الكاتب عن مفهوم الأدب الحبيس الذي يتقيد بلون من السرد أو بطريقة معينة من الكتابة، أو يكتب لعرق أو هوية محددة وبهذا يحكم على نفسه بالموت المبكر، ويوضح الكاتب الفرق بين ذلك الأدب الحبيس وبين الأدب العالمي الذي يستهدف الإنسان بكل حرف ولذا يعيش هذا الأدب لفترات طويلة يشارك في التغيير وفي حياة الشعوب، ويتعمق الكاتب كثيراً في معنى الحياة في الفن، فالحياة ليست الأحداث والوقائع التي نعيشها ونريد أن نخلدها أو ننقلها بالكتابة حولها، وإنما يجب أن يتناولها الأديب على مستواها الداخلي الذي يؤثر على تفاصيلنا الدقيقة، ولا يقصد الكاتب هنا الوجدان المجردة أثناء الكتابة وإنما أيضاً يجب إشراك العقل وخبرات المرء الحياتية حتى ترتبط اللغة بالحياة أكثر فأكثر وتؤتي ثمارها في وجدان القراء باختلافاتهم.
والفصل الثالث يحمل عنوان( انفصال الأجيال) يتحدث هذا الفصل باستفاضة عن سبب العلاقة الندية التي بات يتعامل بها الشباب بسبب تطور التكنولوجيا إضافة إلى حدوث الثورات التي عاصروها وغيرت في طابع شخصياتهم وتعاملاتهم، وجاء الفصل الرابع بعنوان(تصادم الأجيال) ويوضح الكاتب السبب الحقيقي لحدوث التصادم بين الأجيال الشابة والأجيال القديمة، ويوضح أن الخطأ مشترك بسبب أن الجيل الأول لم يوجه بعناية، وبالتالي الجيل الصغير تاه عن الطريق، ويؤكد الكاتب أن الخلاف الحاصل حالياً ليس بسبب مبدأ التطور الذي هو سنة في الحياة، وإنما بسبب التصادم والسير بروح التحدي!
وجاء الفصل الخامس بعنوان(تجاهل الأجيال) ويتحدث هذا الفصل حول خطورة منع الأجيال الفتية من أن تعيش تجاربها الخاصة تحت ذريعة الخوف، فمثلاً قد يحرم الآباء أبناءهم من ممارسة هواية معينة تحت ذريعة الاطمئنان عليهم، بينما هذه الممارسة تقيد حرياتهم، حتى القراءات التافهة التي قد يمارسها الشاب تكون مجرد مرحلة عمرية ستغير بمرور الوقت ونضج الشاب، ولذا ليس من الصحيح أن يمنع الشاب من قراءة بعض الكتب التي قد لا تحلوا للكبار، لأن الشاب سيعدلها فطرياً بمرور الوقت.
أما الفصل السادس فحمل عنوان( حرمان الأبناء) هذا الفصل على قصره إلا أنه ناقش قضية جوهرية، وهي عدم حرمان الأبناء من أي شيء يطلبونه خصوصاً في مرحلة الطفولة التي لن تعود مجدداً، والفصل السابع كان بعنوان( صنع الأجيال) وجاءت سطور هذا الفصل فلسفية بعض الشيء إذ أنها ناقشت طموح الإنسان في قضية اختيار نوع الأبناء بما يخالف فطرة الطبيعة، ويؤكد الكاتب من خلال سطوره أن الفطرة كفيلة بأن تنظم الحياة، بينما تهور الإنسان في طموحاته وطمعه قد يجلبان له الدمار، والفصل الثامن حمل عنوان(أجيال الطبيعة) ويتحدث هذا الفصل عن وجود تصادم بين الطبيعة وبين العقل البشري، وضرب  الكاتب مثلاً ليوضح فكرته، وهو أن الإنسان المتعلم غالباً ما يميل إلى تحديد النسل، بينما  في الطبيعة لا يوجد ذلك، فالنباتات على أشكالها تنبت بشكل كبير جداً، والفصل التاسع حمل عنوان( تنوع الأجيال) يتحدث هذا الفصل على مبدأ الاختلاف الذي فطرت عليه الحياة( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) ويوضح الكاتب أنه حتى على مستوى الأجرام السماوية يوجد اختلاف ليخلق التكامل الذي يحتاج إليه الكون، كذلك الآراء المختلفة تخلق أفق أوسع لأي قضية، والشعوب المختلفة تحتاج لبعضها البعض، وجاء الفصل العاشر بعنوان( مبدأ الأجيال القادمة) هذا الفصل حمل فكرة عميقة للغاية، والتي تدور حول تصحيح مبدأ( الغاية تبرر الوسيلة)!! ويضرب الكاتب مثلاً في مركبة رديئة يدخلها ثلاث أصناف من البشر( المؤمنون/ وأصحاب الغرض/ والمتورطين) ويقوم أصحاب تلك المركبة بالخوض بها في طريق موحل حتى يصلون إلى المكان بشكل أسرع، أما المؤمنون فيصمتون تحت ذريعة الغاية تبرر الوسلة، وأما أصحاب الغرض فيقولوا نحن مع المؤمنين!! وأما المتورطين فلا يهمهم أين سيسير القوم! ويؤكد الكاتب أنه على الأجيال الجديدة ألا تحمل ذلك المبدأ البالي بل تغيره إلى ( الغاية النبيلة في الطريق النبيل).
الفصل الحادي عشر( شبح الأجيال) يعرض هذا الفصل فكرة اليأس التي قد تواجه الشباب وتقتل بذرة الإبداع فيهم، ويناقشها بأسلوب سردي أقرب للقصة حتى تصل الفكرة، أما الفصل الثاني عشر جاء بعنوان( بين جيلين) ويناقش الكاتب قضية مهمة وهي قضية التوازن بين كثرة العرض وعمق الفكرة، حيث يؤكد الكاتب أنه ليس بالضرورة أن ينشر الكاتب العديد من الكتب حتى يقال عنه أنه كاتب وإنما بعمق فكرته وغزارة تأثيرها يمكن أن نعده كاتباً، وجاء الفصل الثالث عشر بعنوان( تلاقي الأجيال) ويعرض الكاتب تجربته الشخصية في هذا الموضوع حيث يوضح كيف أنه يمكن أن تنشأ هوة كبيرة بين الآباء و ابنائهم بسبب اختلاف الاهتمامات وطبيعة الحياة، لكن يؤكد أن على الآباء أن يكسروا ذلك الحاجز حتى يصلوا إلى أبنائهم قبل فوات الأوان، وذلك بأن يدركوا أن أجيال أبناءهم ليس بالضرورة أن تطابق جيلهم.
الفصل الرابع عشر(مسؤولية أدباء الشباب) يبحر الكاتب في قضية هامة يجب أن يتنبه لها الشباب وهي عدم الانشغال بقضايا جانبية في الأدب عن القضايا الجوهرية، فمثلاً الانشغال بقضية الفصحى أم العامية في الكتابة ليست جوهرية بقدر عمق الفكرة والتنويع في الأساليب الكتابية التي يتبعها الكاتب، ويؤكد أنه ثمة كتاب عالميين استخدموا العامية في كتاباتهم في بعض الحوارات ولكن بأسلوب سلس، ويوجه الكاتب أنظارنا إلى حقيقة أن الأدب العالمي الحقيقي هو الذي يخاطب الإنسانية جمعاء وليس فئة من الناس، لأن ذلك الأدب الضيق سينتهي بمرور الوقت، وأكد الكاتب أن مسؤولية الكتاب الشباب أن يحافظوا على القيم في أعمالهم ولا ينساقوا وراء روح العصر التي تميل إلى السرعة على حساب الفن.
والفصل الخامس عشر حمل عنوان( الشباب والتجديد في الشعر) وناقش هذا الفصل إشكالية المضمون والشكل في الشعر الشبابي الذي مال أكثر إلى شعر التفعيلة وليس الوزن، وأوضح الكاتب أن المشكلة لا تكمن في الشكل النثري للقصيدة بقدر ما هو إشكال في الفكرة التي تحملها تلك القصائد المجتزأة، واختتم الفصل بتساؤل: لماذا لم يعد هناك شعراء حقيقيين؟!! والفصل السادس عشر (تحذير للشعر الجديد عند الشباب) جاء هذا الفصل استكمال للفصل السابق وتحدث عن خطورة استسهال الفن لدى بعض شرائح الشباب خصوصاً في مجال الشعر، ونبه الكاتب إلى أن الفن هو الصعب العصي الذي يحوله الفنان بقدراته ومواهبه الخاصة إلى سهل لذيذ للناس الآخرين، لكن أن يستسهله هو ، ما فائدة الفن إذاً؟!!
وجاء الفصل السابع عشر( الصدق أساس التجديد عند الشباب) عرض الكاتب تجربة مريرة لنقل بعض المصطلحات التجديدية دون الإلمام جيداً بها، ودون التصريح بمصدرها الحقيقي ولذا وقع مروجوا تلك المصطلحات والأفكار الجديدة في شر أعمالهم بعد أن انفضحوا بأنها ليست من بنات أفكارهم، وأكد الكاتب أنه ليس من العيب أن نستفيد من الأفكار والنظريات الأجنبية القادمة من ثقافات أخرى فهذا يأتي في إطار التبادل الثقافي، لكن العار أن نسرقها وننسبها إلينا ! وأشار إلى أننا بحاجة ماسة للتنظير والإبداع في مجال الآداب ، ويتمنى على الشباب لو يحملوا هذه الراية.
وجاء الفصل الثامن عشر بعنوان(الشباب والشيطان) ابتدأ هذا الفصل بأسلوبه السردي الذي يقارن بين قصة قديمة وحوار بين عالم وشيطان في ذاك الزمان، ثم يقارن نفس الموقف ولكن بأسلوب تخيلي يحدث بين الكاتب وبين الشيطان، ويوضح الكاتب من خلاله أن الشيطان دائماً ما يغوي الشباب حتى يمتص رحيق فتوتهم ثم يتركهم للشيخوخة والعجز، وحمل الفصل التاسع عشر عنوان( البعث على يد الشباب) وهذا الفصل مكمل لفكرة الفصل السابق ، وهو أن الشباب يستطيعون أن يقوموا بالعديد من الأشياء حتى تلك التي تدخل في إطار المستحيل، ويؤكد الكاتب في سطوره أن الشباب هم الذين يُحييون الوطن مهما مرت به سنيين من الركود.
ويختتم الكتاب بالفصل العشرين الذي حمل عنوان( قضية القرن الواحد والعشرين) وهي قضية السلام الذي يبحث عنه الجميع، ويبدأ الفصل بقصة رمزية تحدث مع الكاتب نفسه ثم يسافر إلى الولايات المتحدة وتدور هنالك قضية مثيرة توضح الكثير من المعلومات الغائبة عن الأذهان، وذلك عبر الحوارات التي تدور بين القاضي والأربعة المتهمين بمحاولة تفجير تمثال الحرية ، يناقش هذا الفصل حقيقة الحرية التي تفتعلها الولايات المتحدة ، وكيف تخلق حروب لتسير نشاطاتها الاقتصادية على حساب الشعوب ويضرب مثلاً بذلك حروب فيتنام، ويتحدث الفصل عن قضايا تناقض المجتمع وكيف تؤثر على الشباب، وفكرة الثورات السلمية وكيف  يمكن أن تخلق تغيراً حقيقياً، لكن يجب عليها أولاً أن تهدم  القيم البالية في المجتمع وتنبني بدلاً عنها قيم حقيقية،  وأثناء حوارات الشباب مع القاضي يتطرق الكاتب عبر تلك الحوارات إلى فكرة ضرورة مناقشة المسلمات، وما هي أساليب لفت نظر المجتمع إلى المشاكل التي يعاني منها بأسلوب ابتكاري حتى يتقبلها، ويوضح أن الوثنية القديمة هي  تقديس الأحجار أما الوثنية الجديدة هي  تقديس الأفكار!!
ويوضح الكاتب من خلال تلك القصة الرمزية ضرورة إعطاء فرصة للشباب من أجل أن يجرب ويكتشف، وأن معظم مشاكلنا تنشأ من ضياعنا في عالم الألفاظ الذي غالباً ما يتأثر بالمسلمات لدى المجتمع والتي ليس بالضرورة أن تكون صحيحة.
 الكتاب ككل رائع، ويثري فكر الباحث عن فكرة، ويثري الأديب الباحث عن أسلوب، ويثري رصيد المصلح الذي ينقب عن أسلوب ليوصل به أفكاره إلى من يريد بأسلوب أجدى، عندما انتهيت من قراءة الكتاب، شعرت أني ممتنة كثيراً لتوفيق الحكيم الذي ساعدتني على الحصول على الكثير من الإجابات لتساؤلاتي الكثيرة، وتمنيت لو أنه يعيش بيننا اللحظة فيثرينا أكث من كنوزه اللفظية والفكرية والأدبية والإبداعية.

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

جيب أبي

Post With Featured Image



المكان : حجرة صغيرة تختبئ في جدران الذاكرة
الزمان: المطر.....الشمس... وجه أبي ..وابتسامة أمي ..حيث كانت الأشياء تحمل رائحتها الخاصة بها.
اللحظة: ذاكرتي تمتلئ بالورق بمختلف أحجامه، ورائحتي صارت تشبه عاصمة مكتظة بملامح زوار غرباء عنها، يقولون أنهم جاءوا ليروا كيف أن لون الشمس هنا يحمل شكلاً آخر.
!
في البطاقة الشخصية صورة تشبه تلك التي تقابلني في انعكاس النافذة التي أجلس إلى جوارها، لا أشعر بالاطمئنان كثيراً، فحزين شعورك أنك أنت ولست أنت! ملامحك تحمل تفاصيل ميلادك، وذاكرتك تغترب كل ثانية وابتسامتك تستوردها عندما تقتضي الحاجة، تعلمت تلك الابتسامة من أحد محاضرات العلوم السياسية، حيث شرح لنا الأستاذ كيف أنه ليس بالضرورة أن نبتسم بكامل رغبتنا في مواقف معينة، فالوطن فوق كل شيء ، ولذا لا بأس أن نصافح ونبتسم لأعدائنا من أجل المصالح الوطنية، مسكين يا وطني كل هؤلاء القوم يبتسمون عنوة من أجلك ليمرروا مصالحهم!
في ميلادي الخامس والثلاثين أخبرتني صديقتي بأنه من المجحف أن ننتظر للوظائف الحكومية التي لن تأتي إلا بعد أن نتحول إلى شواهد قبور، وعرضت علي أن نبدأ مشروعنا الخاص، مثلاً يمكننا أن نبيع البطاط، فكرت جدياً بما قالت، ولكني وجدت كل الجولات تحمل شخوصاً يجرون عربات تحمل البطاط الذي يبيعونه طيلة اليوم، تساءلت في سري: ترى أي شهائد تحملها هذه الملامح التي أنهكها الانتظار؟، اقترحت عليها اليوم التالي لو أننا نبدأ بتجارة لبيع الحقائب النسائية، فرحت صديقتي كثيراً وبدأنا بإعداد خطة، ولكننا اكتشفنا أنه لا يوجد سوق سيقبل حقائبنا بأسعارها التي قد لا تنافس البضائع الصينية، في المساء سمعت نشرة الأخبار تقول أنهم سيشجعوا الاستثمار المحلي لرفع الدخل الوطني، قهقهت في سري: عن أي استثمار يتحدثون وأسواقنا ثغر مفتوح لكل ما هب ودب!
ألمح التقويم الذي بدا شاحباً لكثرة ما علق به من الغبار، فقل ما أنتبه لوجوده ،لانشغالاتي المتكررة بالأرشفة وترتيب الورق،يرتسم تاريخ نهاية الشهر في عيني بفرح ويتزامن معه صوت المسؤول المالي وهو يناديني لأستلم (معاش) الشهر.
أتلمس النقود وأنا أحشرها في الجيب الخلفي لحقيبتي المترهلة، لا أدري لماذا تذكرت جيب والدي، ذلك الجيب الذي دائماً ما يكون مفرغاً إلا من بعض الإفلاس التي نحاول أن نستدرجه ليعطينا إياها عندما ينقص الخبز أو البطاط أو الطماط ، يُدخل أبي يده في ذلك الجيب ويلويه طويلاً ، وننتظر أن يُخرج منه شيئاً، ولكن في الأخير نذهب ونشتري الأشياء ويدونها البائع كدين يرسم هالات سوداء على أحداق والدي...
كنت أحياناً أعتب على ذلك الجيب الطويل، وأتخيل أنه يلتهم نقود أبي ويتركه حزيناً، لم أدرك أن الحياة كانت تعقد صفقات سرية مع ذلك الجيب الخائن لنشتري الحلوى، ويترك أبي للدين من أجل الخبز!
كل نهاية شهر، يزورني الوطن بوجهه الشاحب، ويسألني عن جيب حقيبتي التي لم تختلف طبيعتها عن طبيعة جيب والدي، ولكن أخشى أن أكتشف يوما ما أن هذا الجيب ليس سوى وطن نخبئ فيه أحلامنا، ثم تستهلكها الحياة وتتركنا هالات رمادية تنتظر مجرد وظيفة حكومية!!

الخميس، 27 ديسمبر 2012



 قراءة نقدية في نصف مواطن محترم


شدني العنوان كثيراً عندما تصفحت خبراً يفيد بأن كاتب الرواية يعتبر أول عربي تدرس أحد روايته ضمن برنامج دراسي في استراليا، بدأت بالاطلاع حول أعمال هاني نقشبندي، وشدتني العناوين المتنوعة لروايته البديعة، غير أن عنوان هذه الرواية بالذات جذبني لعالم القراءة في موسوعته، فأبحرت فيها وتفاصيلها التي أجابت عن تساؤلات كثيرة حول ثوراتنا التي لم تنتهي بعد.
رواية نصف مواطن محترم، من الروايات التي لخصت مشهد الثورة وغضب المواطن البسيط بأسلوب ساخر، ولكن من زوايا عدة، فزاوية الحاكم المتسلط رئيس المحفل وصندوقه السحري تجسد لنا عنجهية الحاكم العربي وجبروته المصطنع الذي يسقط كل لحظة من الخوف، ويعتمد على البطش في استمراره، كما تأتي زاوية الأتباع (أعضاء المحفل) لتلخص لنا دور الحاشية التي تغري الحاكم بمزيد من البطش والجبروت، ودور الحكيم الذي يعتبر صوت وحيد ومنبوذ في المحفل، كما يحدث في البلدان العربي، فالحاكم لا يسير الوضع إلا وفق السياسات التي تضمن بقاء حكمه، وأعجبتني شخصية(عضوة المحفل) التي ينقل الكاتب من خلالها السلام الذي تطمح له المرأة بطبيعتها، وزاوية المواطن البسيط الذي يعتبر بطل الرواية ككل.
تقع الرواية في فصلين، يتحدث الأول بشكل مفصل عن المحفل الذي يعتبر فكرة رمزية للعالم المخملي البعيد الذي يعيش فيه الحاكم، وماذا يدور هناك، كما يسلط الفصل الأول الضوء على شخصية المواطن المسكين الذي يجسد الشعب ومعاناته من انعدام أبسط الحقوق، كما تسير بنا أحداث الرواية بشكل قريب من معاناة الشعب الذي نعيش واقعه وفصوله، من فساد الرشوة حتى في الجنب الصحي، من الثورات التي تشطرت بسبب الجهل، فكما يهتف هنا أناس من أجل حقوق يهتف هناك أناس من أجل الحاكم! تماماً كما يحدث في واقعنا المعاش، وفي الفصل الثاني  والذي حمل عنوان(عضو جديد) ويتحدث  بشكل مفصل عن معاناة المواطن الذي قبض عليه بتهمة خيانة الوطن وبالعمالة وبامتلاك جهاز خطير يهدد أمن الوطن، رغم أن جهازه الخطير لم يكن سوى غسالة الملابس المتآكلة التي يحاول أن يصلحها من أجل زوجته المتعبة، كما يثير هذا الفصل تساؤلات حقيقية لدى القارئ حول ما الذي يمكن أن يقوم به أي مواطن عادي إذا وصل لسدة الحكم، هل من الممكن أن يكون كبطل هذه الرواية، أم من المكن أن يكون حقاً بطلاً أسطورياً يستطيع التغلب على سطوة ولذة ملمس كرسي السلطة؟
الرواية على مستوى الفكرة تعتبر فكرة اعتيادية نعايشها في واقعنا، غير أن تسلسل الأحداث والانتقال بين زوايا الشخوص التي تمثل تلك الأحداث أضاف طابعاً درامياً ابداعياً للفكرة ،خصوصاً عندما يتيح للخيال مساحة واسعة من حيث الوجود في النص، من ناحية الأسلوب، تدور الرواية بشكل متوازي بين الراوي الداخلي والخارجي وفق ما يقتضيه الحدث، غير أن الحوار هو الأسلوب الذي طغى على مشهد الأحداث ككل، ربما لأن الكاتب يريد أن ينقل صورة ما يحدث بألسنة تلك الشخوص لتكون أقرب للواقع.
أبدع الكاتب في اختيار الشخوص ، سواءاً من فئة السلطة أو من فئة الشعب، فمن ناحية السلطة، يأتي وصف أعضاء المحفل ليقرب الصورة أكثر بشكل يكاد يتطابق مع الواقع بشكل درامي، أما من ناحية الشعب، فالمواطن بطل القصة لم يحمل اسماً ليكون هو كل واحد منا، مع اختلاف الأحداث وطريقة التصرف، كما أن تسلسل الأحداث وانسانيتها يخلق جواً حميماً بين القارئ والنص، حتى لكأن القارئ يشعر أنه هو المواطن المسكين هذا ، غير أن الخاتمة الصادمة تجعلنا نعيد حسابنا بالاندماج الذي كنا قد كوناه مع شخصية المواطن، وأعتقد أن الخاتمة على رغم قتامتها إلا أنها تعتبر خاتمة جديدة وموفقة، لأنها تخلق تساؤل عميق لدى القارئ، هل بالفعل يمكن أن يتصرف أي مواطن بهذه الطريقة فيم إذا وصل لسدة الحكم؟!! الواقع يخبرنا أنه ربما يكون أسوأ من ذلك، فحكامنا العرب وصلوا من رحم معاناة الشعوب ومع ذلك اضطهدوا شعوبهم!

الخميس، 13 ديسمبر 2012


حارة الضبوعة



الوقت يتعلق بين عقربي الساعة وهو يرى آخر وجود له في حياتك اللحظة
أتساءل: بأي كف التهم الموت نداك؟
هل كانت أنفاسك الأخيرة....بدفء قلبك أم ببرودة الفقد
لا أدري
ولا أريد أن أدري
اسأل فقط لأمارس هوايتك الجميلة في طرح الأسئلة، وأنت تطلين علينا  من شرفتك المليئة بالستائر حتى لا يرى ظلك أحد
تسألني: هل عاد؟
هل ثوبه نظيف؟
هل هو جائع؟
هل يريد شيئاً.......
أكره المرأة عندما لا تكون إلا أنثى
ولكنك يا (أنت) لم تكوني مجرد أنثى، وإن كانت حروفك معظمها لا تخرج عن طور ذلك المخلوق الضعيف
أتعجب، كيف لم تبك وقد دفنت نصف أطفالك في مقابر مختلفة!
كانت أمي تهمس كما أحداقك همست لي: لأني أم.
وهل تعبر الدموع عن الفقد!
صحيح....
سؤال ساذج، ولكن النساء قاطبة يمارسن تلك الطقوس في حضرة أي فقد، فكيف إذا كن أمهات...والفقد هو موسم حصاد لأطفالهن!
أتعجب وحسب!
صوتك الجهوري لم يكن جزءاً من الذاكرة وحسب، وإنما من الحاضر والمستقبل، فأنت لست مجرد أم كما قلت، أنت (جيل) من الصبر، ونهر من الحنان، وقلب من الحب...
لم تحبي أن نتحدث معك بتلك الطريقة، كنت تحبين الصرامة في كل شيء، حتى في طريقة ضحكتنا..
وكنا دمى سمجة لا تفقه معنى حروفك الجميلة...
في السابق، أتذكر وجهك ولون الطين المتسخ على ثيابي، النظرات الحارقة التي تقذفني بها أمي، وعصاك الطويلة التي تقف بشموخ أمام عيني لأرتجف...ثم يأتي صوتك الجهوري(العصا خرج مع أبونا آدم من الجنة) ولازالت أختي الصغيرة ترددها إلى اللحظة بطريقتها المحببة، ثم ننتظر العصا ومصيرها المشؤم فوق أكفنا، ولكنها تهجع إلى جوارك غاضبة، وأنت تضربينا بتهديدك وحسب، كنت أقرأ حباً جماً لنا في عينيك، وصرامة كبيرة سرعان ما تتسرب بعد أن نبدأ اللعب أمام ناظريك..
لا أتذكر أنك قد تجاوزت حد التهديد بعصاك الطويلة تلك، ثم سرعان ما تصنعي لنا الخبز والبيض والحليب، وتعطينا ربع الريال لمن سيأكل أكثر حتى نكبر أسرع..
سؤال نسيت أن أسألك إياه في زمن البشر: لماذا لم تملي قط من نظراتك الحنونة تلك، لم نكن خمسة، أو عشرة ، أو عشرين....كنا أكثر بكثير، وكانت أحداقك تخبرنا بلغتها الشفيفة أن لكل واحد منا حق عندك، لن تبخلي به، اعتدت في أزمان أخرى أن أنتظر هداياك الجميلة، خشيت في أحد الأصياف أن تعطيني بيضاً وحليباً كما كنت طفلة، وإن كنت تستثنيني دائماً –من بين الأطفال- في شرب القهوة بسبب صوت بكائي المزعج، كانت هداياك تلك تشعرنا بقيمتنا، بكيف صرنا في عينيك، فالبيض والحليب للأطفال حتى يكبروا هكذا تعلمت منذ أن درست في مدرسة بلال،والألعاب والحلوى منذ أن انتقلت لمدرسة أخرى وبدأت أدرس حروفاً أكبر، كنت تخبرينا أن الحلوى ليست مجرد هدية للتشجيع، وإنما تساعدنا أيضاً على الحفظ ،وكنت أحفظ نصائحك كآيات، وأعتقد موقنة بأن البيض الذي كنت أشربه في المرض هو العلاج الحقيقي وليست تلك الإبر الكثير والحبوب الملونة...
شعرت أني كبرت حقاً عندما أهديتي لي فستاناً يشبه قامة أمي، عرفت عنها أني كبرت كثيراً، بحيث صرتي تريني هي، وكبرت أنت ولم نكن نهديك إلا ابتساماتنا التي تكبر أكثر فأكثر، كانت هداياك الجميلة تعمينا عن حقيقة مؤلمة، تلك الحقيقة أشد ألماً من ذلك اليوم الذي منعنا فيه من اللعب في الجبل، يومها سألتك باستنكار: لماذا؟
ولم تجب أمي، وتوليت أنت المهمة، وكدت أنسى كل الهدايا ولا أذكر إلا الجبل والطين، أخبرتني أني صرت كبيرة، وأن ظلي كظلك كظل أمي، لا يصح أن يمارس لهو الطين، فكما أحب الهدايا أن تناسبني يجب أن أتقبل أن الألعاب الجديدة التي سألعبها في الحياة، ....أشكرك غاليتي أنك قدمتها بطريقتك الجميلة، لأن المجتمع كاد يقدمها لي كالأخريات بطريقة لا يصح تخزينها في الذاكرة...
بمرور الوقت، صار بإمكاني أن أجلس إلى جوارك وأشرب القهوة معك، وأحمل تلك العصا المخيفة، لم يكن ملمسها مخيفاً كما زعم أحد أطفال العائلة، ولم تكن تتحرك بالليل كما كنت أتخيل، ولم تكن تخبرك بأسرارنا كما كانت  تقولين لنا في زمن الطفولة، لقد كانت مجرد عصا جميلة رسمت في الذاكرة صوراً لن نمل من تأملها..
.......................
سأخبرك بأسراري كلها الليلة،قد لا تسمعيها بمفهومنا السطحي، ولكنك ستسمعيها بطريقة ما،ربما بطريقة العصا السحرية التي تخبرك الأسرار، وربما بمجرد النبض الذي أحمله ولا تحملينه ولكنك كنت تحسنين الإنصات إليه، أو ربما بمجرد التفكير....لقد كنت بارعة في ذلك، وكنت أخاف أحياناً من طريقتك في التفكير وتساؤلاتك الكثيرة حول تلك الملامح الصغيرة التي تبعثرت في الحياة بعد أن كبرت ولم تعد تتذكرك أو حلواك إلا في المناسبات، وتهمسين: الدنيا مشاغل...الله يعين الجميع.
جدتي
لم يعد للقهوة مذاق.... ؟
ولم يعد للوقت قيمة....؟
ولم يعد أحداً  ليسمع نكاتي السخيفة؟
ولم يعد أحد يهمس في أذني:  وين رحتي!....خليها على الله يا بنتي...
لم يعد صوتك الجهوري -الذي صار نحيلاً كوجه هذا الزمان- قادراً على أن يبعث الروح في تلك العصا الساكنة فوق سريرك، لم يتعلم أطفال هذا الزمان دروس الحب والصرامة من عينيك، لقد صاروا يرون العصا مجرد عصا كما يعلمونهم في المدارس، حتى البيض والحلوى صار مجرد سلع على سفرة الطعام أو في الدكان!
ولم تعودي أنت يا جدتي في نظرهم كما كنت، أما في نظري، فمتأكدة من أنك تحفظين ملامحنا الجامدة أكثر من صوتك المتألم، وتبتسمين لكل الوجوه دون استثناء لتخبرينا أنك بخير، ونبتسم بطريقة سامجة لأننا قرأنا تقرير الطبيب الذي يفيد بأنه ليس كل بشر يتقن الحب؟
فما معنى أن تبتسم وأنت تدرك أن الموت رابض فوق رأسك! معناه فرار من الواقع!! أم معناه بالطريقة المحلية (مغالطة)!!
معناه بالنسبة لي ولك(حب) فالموت كما كنت تخبرينا لن يأتي إلا بوقته، ولذا لاضير من توزيع ابتسامة أخيرة هنا وهناك لترسم ابتسامات أجمل في الفترة التي قد لا تكوني موجودة لتزرعيها....
............................
صوت المحاضرة يعلو، وأخرى تهمس لي(عظم الله أجركم) ويزورني وجهك بردائه الأبيض وابتسامته الأخيرة،و رائحة الموت التي تسكن المكان كما تقول ابنة خالتي  تقتحم علي صبري، أحاول أن أقلدك كما كنت أفعل في شرب القهوة، ولكن ثمة فرق كبير بين أن تقلد في شرب قهوة وبين أن تموت ألف مرة،أنظر إلى زاويتك المفرغة إلا من رائحة الحب التي تسكن الذاكرة، الوجوه الجامدة والباكية على حد سواء، وصوتك في زمن ماء(يا ابنتي ...لن نخرج إلا برداء أبيض) ما أجملها عندما نطقتها وما أشد ألمها عندما ارتديتها، لم تخبريني يا جدتي أن الحروف قد تقتلنا إذا ارتديناها، فمكانها فقط في الألفاظ وليس في الجسد....كنت أمية، وكنت حمقاء، وكلانا أحبت الحرف، فشغلت أنا به، وشغفت أنت به...فشغف بك!
.........
لن أبكي
لأنك قلت أن كل النساء(أم) والفقد سنة في الحياة، فهل تغني الدموع شيئاً إذا كان هذا الفقد فلذات أكبادنا....كيف يا جدتي إذا كان الفقد هو كبدنا ذاته!!!

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012


عبيد بصيغة محترمة



سامحيني يا أمي على أمنياتي الغبية....
كنت تقرأين في عيني الصغيرة فرحاً وأنا أحمل حقيبتك الجامعية، فتهمسين لي بشرود: إنها ليست بتلك الروعة...
العبي يا طفلتي، فموعد الحقيبة سيأتي ...سيأتي
سامحيني يا أمي يوم استعجلت فتح جديلتي من أجل أن أشعر أني صرت امرأة...
يومها مررت يديك في تلك التعرجات وهمست: ستشتاقين لعصر الجديلة، فاستمتعي بهما أكثر...
سامحيني ...لأني ركنت همساتك جانباً ولم أركز إلا على ملامحك المجهدة..، كنت أشعر أنك عظيمة بقدر تلك الابتسامة المتعبة من هموم الحياة، واعتقدت جازمة أن حقيبتك هي السر وراء تلك العظمة التي تحفك بجمال بديع...
اليوم...
ها أنا أحمل الحقيبة
وأسير بخطوات رتيبة إلى ملامح مقفرة
تشبه يا أمي شهود المقابر بصبغات جديدة، وهل تعيد الألوان الروح للوجوه الميتة!
تشبه لون حزني على جديلتي التي تركتها في زمن همساتك الشفيفة..
وتشبه الفراغات الكبيرة في ذاكرتي، التي لم أعد أستطيع أن أملأها باللعب، لأني صرت امرأة تحمل حقيبة...
نسيت أن أخبرك يا أمي، لم أعد فتاتك الجميلة التي تحبين بسمتها، ولم أعد نسخة من عينيك المجهدة التي لطالما اشتقت أن أحملهما في ملامحي، لقد صرت شبحاً بألوان جديدة!
هنا يا أمي...
سرقوا مني حتى الأحلام....
وحروفي الجميلة....صادروها
وتفكيري النقي لوثوه
الحسد هنا لغة رسمية، والحقد نظرات مألوفة حتى لو لم تفعل شيء!
واللامبالاة طريقة فاعلة لتفريغنا تماماً من إنسانيتنا..!!
تخيلي..
أن أحلامي صارت بحجم..(حبة البازلياء)!
في الواقع...لم أعد أحلم!
ألم أخبرك أنهم جعلوا مني نسخة مشوهة لكل شيء كنت أحمله..
أحاول أن أتغلب على أحداقهم الغامقة، ولكن.....
حقيبتي فارغة، وتهمس لي بفحيح...نريد أن نعيش!
....
مؤلم يا أمي ....أن نفقد ذواتنا في سطور الآخرين
أن تتوه ملامحنا في ابتساماتهم الساذجة...
أن نكتشف أننا صرنا نسخاً قميئة مثلهم!
في لحظات كهذه...أتمنى أن أسكن شاهد قبر على أن أكون ما يريدون..
فهل أمنيتي هذه يا أمي أيضاً مخيفة!!
لقد صرت أخاف حتى من الأحلام...صرت أخاف من التفكير..
وصارت الكرة الأرضية كلها حقيبة لا تكف عن التهام الأحلام من أجل حفنة من المال!
لماذا لم تخبريني ...أن العيون المجهدة تعني موت مبكر!
ولماذا لم تخبريني أن الشعر المتعرج يعني أنثى فقدت جمالها لضيق الوقت!
ولماذا لم تخبرني.....أن لعبة الحياة أخطر من لعبة الاستغماية، وأعنف من ارتطام كرة قوية في وجه المرء، وأشد ألماً من فقدان دمية في الحي ثم إيجادها بدون رأس؟!

الاثنين، 26 نوفمبر 2012

 
(انطفاء)


لا يوجد شيء يدعوا للفرح إلا شكل أجنحتك الجميلة
تشبهين صباحات الأيام المبتسمة
وتتقنين الحديث بلون قفزاتك الرشيقة في أحداقي
أتأملك بشرود
كم أنت جميلة!
لا أحد يراك-عادة- إلا في لحظاتك الأخيرة
ربما لأن البشر يحبون أن يقرأوا الخواتم فقط...
لذا لم يأبهوا لسكناتك وحركاتك البديعة
الحقيقة أنهم حتى لا يأبهون لأنفسهم إلا في النهاية
هل أخبرك عن سر...
هذا السر يتقنه أكثر الفقراء
صحيح أنهم يشعرون بالسعادة عند سماع الموسيقى
ولكن تلك الموسيقى لا تقتل المرض أو تنهي الألم
إنهم يشبهونك في حماقتك الأنيقة
لا يعترفون بالألم، ولكن الموت يعترف بهم ....
ولا يعترفون بالحاجة إلى الطبيب....
لأنهم يتقنون الدوران حول(الأمل)
هذا ما تفعلينه أنت بالضبط
يا سيدة الجمال...أنت تعلمينهم بوحيك الندي أثناء انطفاءاتك الكثيرة
بالنسبة لي لم أحفل بك قبل اليوم
وتذكرت مذاق قلبي المتألم الذي لم يجد ثمناً لطبيب يفحصه...
ومع ذلك يضل يقلب أحداقه حول الشمس، يبحث عن أمل ما..
وفي قرارة نفسه يدرك أن الآلام الحادة التي تزوره في الليل لن تسكن إلا تحت شاهد قبر كبير
يتمنى لو أن ذلك الشاهد يحمل لون أجنحتك وحسب...
أجفل للحظات وأنا أقرأ قدري الذي يذوب تحت انصهار أجنحتك البديعة
كلا...
كيف يمكن أن تختفي ألوانك بهذه السرعة!
أنت حتى لم تشهقي شهقة الموت...
كيف لك أن تودعيني هكذا أثناء رقصك الرشيق..
الشمعة مقصلة الحب إذاً...
كدت أهيم في أمل جديد وأقحم قلبي في تجربة بعيدة عن الشمس...
على الأقل ربما استغرق موتي بأمل الشمس حيناً أطول...لأنها تقطع مسافات شاهقة لتخلق ذلك الأمل ...
أما الشمعة!
لا أريد أن ألومها لأنها لا تحمل إلا الضوء كما لا تحملين أنت إلا الألوان...
لكن أحياناً تقتل الأشياء الجميلة أشياء جميلة أخرى...وتبقى لحظة الطعنة الأخيرة..
ليتك شهدت موتك في أحداقي...
لم أدمع
ولكن بكت الشمعة طويلاً
لقد كانت تلسعك لأنها تحبك
تريد أن تستمتع أكثر بقفزاتك الفرحة
ضننت لوهلة أن تنبيهاتها مجرد إغراء...
ليتك تعلمت الفهم كما تعلمت الرقص!
تستغرق الدمعة في نحيبها ...وتحاول أن تنقذ ما تبقى من ألوانك التي غادرت روحها....تدفعك بعيداً....
ثم تنطفئ كمداً
أبقى أنا في الظلام أتذكر.....
كيف سيكون انطفاء قلبي الأخير...
وهل ستبكي علي الشمس كما فعلت الشمعة...
لا أدري
كل ما أعرفه أن الألم لا يزال يسكن قلبي
ولا أدري متى ينطفئ!




الجمعة، 16 نوفمبر 2012


رحلة أخيرة


رائحة السماء تشبه لون ملامحك الندية، وتشبه وقع خطواتك الباسلة، وتشبه عيون قبة الصخرة وهي تقبل الشهداء واحداً تلو الآخر، تلك قصة فلسطين التي تقرأها الأجيال منذ عقود، وتدرس في المدارس، وفي خيام اللاجئين، وفي الذاكرة العربية التي تحسن النسيان، وكنت منذ طفولتك تقرأها بحروف أخرى، كنت تعرف أن أي قضية لا تعيش إلا بأرواح معتنقيها، وكنت تؤمن بأن رحلة الخلود لا تحتاج لتذكرة سفر معدة مسبقاً بتاريخ عودة أو ما شابه، إنها حتى لا تحتاج لملامح للتأكد من الهوية، كيف وإن كنت بلا هوية حتى في بلاد العرب أوطاني!
لم تتقن اللعب كأقرانك من أطفال البشر، لأنك كنت طفل من فلسطين، وهل يحسن أطفال فلسطين غير الابتسامة والألم!
وفي شبابك لم يكن للحديث الساذج مكان بين حروفك، لأن ذلك الحديث لا يتقنه إلا من لا يعيش بغير هوية، رغم ثبوت هويته التي تعترف بها كل دول العالم، على عكسك، فأنت الذي تستخدم كل حروفك لترسم خطة أو أخرى من أجل القضية، فهويتك لا تعترف بالأرقام الضيقة والختوم الملونة، هويتك قضية بحجم الأقصى، ولذا لا يصح أن تتحدث بلا مبالاة كما يفعل الآخرون.
هذا الصباح ليس ككل صباح، دائماً ما تمارس طقوس الشوق للجنة، تتذكر أحبتك الراحلين، وتعيد قراءة خططك العسكرية،لتضمن عدم وجود ثغرة ينتصر بها العدو، ثم تذهب لتتفقد جنود غزة، وتتأمل تلك الصواريخ البسيطة التي تختصر كفاح شعب أعزل إلا من كرامته، تذكر خارطة فلسطين وكيف تقلصت بفعل الاتفاقيات اللاشرعية، وتتأمل مأساة الحصار بصمت، ثم ترتسم تلك الصواريخ بشموخ في أحداقك، وتتذكر مشروع القضية الذي لأجله تعيش.
لم تكن العنوان الأبرز في قضية جلعاد شاليط، أو هكذا قالت وسائل الإعلام المزيفة، ولكن قامتك الشامخة اختصرت بطولتك الفتية بيدك الممسكة لذلك الأسير، وانتهت الصفقة بسجدات كثيرة وكبيرة على صدر أرض فلسطين، قرأتها العيون بشوق وفرح وشكر لكل تلك الأكف النضرة التي شاركت في بطولة التحرير تلك، وكنت الرقم الأصعب في معارك كثيرة لا يتابعها العرب، ولكن يكفيك أن تتابعها الحبيبة فلسطين.
كعادتك تذهب وتجيء متخفياً من أجل مشروع القضية الذي بدأته في صباك، وكعادتك تبتسم وقلبك هناك، حيث الأحبة، وموعد الرحلة الأخيرة، كل يوم ترحل عيونك إلى الأفق تفتش في الذاكرة عن درس فلسطين العربية الإسلامية، عن قبة الصخرة التي قد تسقط بين لحظة وأخرى ، عن شواهد قبور الشهداء وكيف صارت زروعاً بدل أشجار الزيتون المقتولة بجرافات المحتل،وعن جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
ينطلق صاروخ الموت من جوف الحقد الدفين، ويقطع رحلته بين اللحظات ،كان يظن أنه بموتك سيقضي على الخوف الذي يسيطر عليه، أو ربما ظن لوهلة أن بموتك ستخاف صواريخ غزة الأبية ولن تتحرك، نسي ذلك الصاروخ درس أحمد ياسين والرنتيسي، نسي ملامح عياش وعقل، ونسي ابتسامة ريان وشحادة، وظن أن الأمر سيجدي معك!
هي لحظة فاصلة ما بين الحياة والموت، هذا بالنسبة للبشر العاديين، ممن يدمنون انتصارات التاريخ وحسب من أولئك العربان، أو ممن يتقنون نصرتكم بالصراخ والدموع! لكن الأمر مختلف كلياً بالنسبة لمن سيذهب في نفس رحلتك الأخيرة، فاللحظة الفاصلة بين الموت والحياة –هنا- حياة، وما تلك اللحظة بدويها إلا شكل من أشكال الاستعداد للانطلاق في رحلة الخلود، حيث لن تحتاج لهوية ومطابقة الصور، فالسماء تعرف سكانها مسبقاً،وملامحك التي قطفها الصاروخ الحاقد قد نبتت مجدداً في الجنة، حيث تستطيع أن تلتقي حقيقية بأولئك الذين لطالما فتشت عنهم الأفق..
رحلتك الأخيرة بالنسبة لنا فرح مشوب بكثير من الحزن والفقد، ولكنها بالنسبة لك ولبقية الشهداء رحلة خلود لا يكتنفها إلا الفرح والسرور.